شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مؤسسة تكوين الفكر العربي (4) صورة الإسلام كما تعرضه مؤسسة تكوين

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد الهزيمة العسكرية الساحقة للرومان على أيدي المسلمين -رغم تفاوت العدد والعدة-، انسحب الرومان من الشام ومصر إلى أوروبا، فاقدي الأمل في السيطرة على مصر والشام اللتين كانتا سلال الغلال لأوروبا.

وعاشت أوروبا قرونًا من الرعب، والجيوش الإسلامية تدق مرة بعد أخرى أبواب القسطنطينية حتى أوشكوا أن يفتحوها أكثر من مرة، وكانت المفاجأة أن المسلمين انتهوا من فتح شمال إفريقيا، ومنها عبروا إلى أوروبا من جهة جنوبها الغربي، وأنشأوا حضارة الأندلس الغنَّاء.

فلم يجد الأوروبيون بدًّا من أن يستفيدوا من هذه الحضارة الفتية؛ فأرسلوا وفودهم إلى الأندلس للتعلم، ولكنهم كانوا يعودون منبهرين بكل ما رأوه في الأندلس، ولكن كان جانب الانبهار الأخطر بالنسبة للغرب هو العقيدة وفطريتها، وسلامتها مما يناقض العقل وبُعدها عن مسالك الوثنية، ومن هنا نشأت في القرن العاشر الميلادي أولى حركات الاستشراق، وهي حركة كان غرضها الأول التعلم الدنيوي من المسلمين؛ ولذلك كانت نبرتها هادئة، ولكنها أيضًا حاولت أن تقدِّم نقدًا دينيًّا لدين الإسلام، وهو لم يكن نقدًا بمقدار ما هو إثبات أن الإسلام كعقيدة وشريعة ومنهج ليس بأكثر تميزًا من "النصرانية".

أخذت هذه النزعة النقدية تنمو حتى بلغت أوجها في القرن الثاني عشر الميلادي وكتمهيد للحروب الصليبية، وفيه ارتفعت وتيرة الكذب إلى حدِّ الزعم أن المسلمين يعبدون محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، وأن دينهم وثني محض، منقول من الوثنيين، مع بعض إضافات من كتب اليهود والنصارى!

ثم بعد انكسار الحملات الصليبية وسرقتها لكثير من المخطوطات في طريق عودتها ازداد شغف المستشرقين الأوروبيين بعلوم القرآن والحديث، والسيرة والفقه، ووقفوا كثيرًا عند علم مصطلح الحديث، وعلم أصول الفقه، وتوجهت كثيرٌ من دراستهم أيضًا إلى محاولات الزعم أن المسلمين لم يقدموا جديدًا في حفظ دينهم أكثر مما فعله النصارى؛ فدسُّوا الأكاذيب حول جمع القرآن وكتابته وقراءته، وحول جمع السنة من باب أولى، وهكذا...

ثم جاءت الثورة العالمانية في أوروبا كردِّ فعلٍ لما في كتبهم من مخالفة العقل، ومخالفته للعلم الحديث، ولوقوف كنيستهم حجر عثرة في طريق التقدم العلمي؛ فكانت العالمانية في موجتها الأولى محارِبة للدين تمامًا، متبنية للإلحاد فأنكرت وجود خالق للكون، ثم مالت للتصالح مع الدين بشروط، أهمها:

- تقرير كون العقل مقدمًا على الدين (مع التسليم بأنهما يتعارضان حتمًا في مواطن كثيرة).

- تقرير أن العلم يقدَّم على الدين؛ حتى شمل هذا علومًا ليست قطعية، بل واحتمال خطئها أكبر كبحث دنيوي مجرد، مثل: نظرية داروين.

- تقرير أن الدين لا يتضمن تشريعًا أو أن تشريعه ليس ملزمًا، وقد تداخلت مع تلك الموجات العالمانية حروب ضروس خاضتها أوروبا، بعضها داخلي كما كان في الحروب الداخلية في إنجلترا، وبينها وبين إيرلندا، وحروب المستعمرات الأمريكية مع إنجلترا، والحرب الأهلية الأمريكية، وبعضها كانت حروبًا أوروبية واسعة النطاق، وكان من آخرها الحربان العالميتان.

ومِن ثَمَّ بدأت أوروبا تتبنى خطابًا يجرم الانتصار للدين؛ ليس فقط بالحروب، بل الانتصار له بالدعوة إليه وبيان محاسنه.

وهذا ملخَّص لما فعلته أوروبا بدينها:

1- قام بولس بنشر النصرانية في بلاد أوروبا، ولكنه لما وجد إعراضًا من أوروبا الوثنية عن دعوته، أعاد صياغة قصة عيسى -عليه السلام- ليركبها مع أساطير الوثنيين القائلين بحلول الآلهة في البشر أو التحول من إنسان إلى إله، والعكس! ولهذا الاعتقاد جذور عميقة في الفكر اليوناني ثم الروماني.

2- فرض الإمبراطور قسطنطين هذا الدين بهذا التصور، ولم يكن هذا الأمر محل إجماع في البداية؛ فقد بقي مَن يدعو إلى دين عيسى -عليه السلام- كما هو على التوحيد، وكان منهم أريوس بالإسكندرية بمصر، وكان أتباعه بمصر والشام، وقد يكون هو المعنى بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لهرقل: ( فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ ) (متفق عليه) ، ولكن هذه الطائفة قُتِلت عن بكرة أبيها.

3- بعد المعركة بين الدين من جهة، والعقل والعلم من جهة، استحدث الغرب في دينه عدة أمور، منها ما يلي:

4- عالجت الكنيسة الانقطاع بين كُتَّاب الأناجيل وبين عيسى -عليه السلام-، بدعوى أن الروح القدس كان يحل بكتبة الأناجيل، فهي وحي خاص لكتاب الأناجيل! ولكن بعد طوفان العالمانية ومناقشة حجج هذا القول، ولماذا اختيرت أربعة أناجيل من السبعين التي كانت منتشرة طالما أنها تكتب بوحي من الروح القدس؟ فضلًا عن التساؤل عن النص الموحَى: هل هو النص السرياني أم ماذا؟ ومدى عصمة الترجمة، إلى آخر هذه الأسئلة... في النهاية قبلت كل الكنائس الأوروبية تقريبًا بأن كتابهم المقدس لم يكن مقدَّسًا من جهة الرواية، وأنه زيد فيه ونقص، ومِن ثَمَّ فهو قابل للنقد من هذه الحيثية.

5- وفوق هذا: قُبِلت الدعوى بأن الله أنزل على أنبيائه في كتبهم المقدسة كتبًا احتوت على أساطير، كان الناس يروونها (وهي كاذبة)، فأعاد الله إنزالها على أنبيائه ورسله، ويبدو أن هذه كانت المخرج الوحيد لوجود بعض القصص التي ثبت يقينًا عدم صدقها؛ لمخالفتها للحس أو العلم، مثل: قصة أن يعقوب -عليه السلام- استطاع استيلاد غنم منقطة عن طريق ترقيش العشب المقدَّم لها.

6- وأما مسألة أن كتابهم المقدس لا يحتوي على تشريع، فقد احتمت الكنيسة بنصٍّ في الأناجيل منسوب لعيسى -عليه السلام- يقول فيه: "أعطِ ما لله لله، وما لقيصر لقيصر".

7- إلا أن العالمانيين لم يقنعوا بهذا حتى قرروا أن الكتاب المقدس كتاب تراثي رمزي؛ لكل جيل إعادة تشكيله تمامًا وَفْق علومهم وثقافتهم ليكونوا غير ملتزمين بتصديق أخباره، ولا تطبيق أحكامه، وبالتالي اعتبروا -مثلًا-: قصة خلق آدم -عليه السلام- قصة رمزية تمامًا، وبالتالي فالمصدر العلمي عندهم في خلق الإنسان هو نظرية داروين.

الصفحة التالية