الكبائر (40) النياحة على الميت ولطم الخدود وشق الجيوب عند المصائب (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .
- النياحة على الميت ولطم الخدود وشق الجيوب عند المصائب من الكبائر؛ لما لها من أثر سيئ على عقيدة المسلم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ليسَ مِنَّا مَن لَطَمَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ ) (متفق عليه) .
- المقصود بالنياحة: النِّيَاحَة أمر زائدٌ على البكاء، فيُرَفع الصوت بتعديد شمائل الميت، ومَحاسن أفعاله، وربما صاحبه كلمات تدل على التسخط والجزع.
(1) تحريم النياحة على الميت ولطم الخدود وشق الجيوب عند المصائب:
- أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- محذرا بأن النياحة ونحوها من عادات الجاهلية: قال: ( أَرْبَعٌ في أُمَّتي مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ في الأحْسابِ، والطَّعْنُ في الأنْسابِ، والاسْتِسْقاءُ بالنُّجُومِ، والنِّياحَةُ ) (رواه مسلم) .
- ولأجل شيوع ذلك في النساء، كان يأخذ عليهن البيعة بذلك: عن أم عطية -رضي الله عنها- قالت: "أَخَذَ عَلَيْنَا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عِنْدَ البَيْعَةِ أَنْ لا نَنُوحَ..." (متفق عليه) ، وفي الصحيحين: "وَجِعَ أَبُو مُوسَى وجَعًا شَدِيدًا، فَغُشِيَ عليه ورَأْسُهُ في حَجْرِ امْرَأَةٍ مِن أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شيئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ، قالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ منه رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، إنَّ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ والحَالِقَةِ والشَّاقَّةِ" (متفق عليه) (1) .
- وقد جاء الوعيد الشديد في حق النَّائِحة التي ماتت ولم تتب من هذا الأمر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( النَّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها، تُقامُ يَومَ القِيامَةِ وعليها سِرْبالٌ مِن قَطِرانٍ، ودِرْعٌ مِن جَرَبٍ ) (متفق عليه) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وإِنَّ النائحةَ إذا لم تَتُبْ قبلَ أنْ تموتَ، فإِنَّها تُبْعَثُ يومَ القيامَةِ عليْها سرابيلُ مِنْ قطِرانٍ، ثُمَّ يُغْلَى عليها بدروعٍ مِنْ لهبِ النارِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
(2) الدنيا دار محنة وبلاء:
- على المؤمن أن يعلم أن المصائب والمحن في هذه الحياة الدنيا سنة كونية كالهواء والماء... هكذا الدنيا: قال -تعالى-: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ) (البلد: 4) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (الكهف: 7) ، وقال: ( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء: 35) ، وقال: ( فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ) (المائدة: 106) .
- موت الأحبة من أعظم ما يبتلى به الإنسان في الدنيا، والأحبة يتنوعون بين الآباء والأمهات، والأبناء والأشقاء، والأزواج والأصحاب، وغيرهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الوالِدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الأم: ( فَالزَمْهَا فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها ) (رواه النسائي، وقال الألباني: "حسن صحيح") ، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الولد: ( يقولُ اللَّهُ -تَعَالَى-: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِندِي جَزاءٌ، إذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِن أهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إلَّا الجَنَّةُ ) (رواه البخاري) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الزوجة الصالحة: ( الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ) (رواه مسلم) .
وقال عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- عن شقيقه الصالح الذي استشهد يوم اليمامة: "ما هبّت ريحُ الصَّبا، إلا وجدتُ منها ريح زيد" (سير أعلام النبلاء للذهبي) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الصديق الصالح -في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله-: ( ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه ) (متفق عليه) .
(3) ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن عند موت الأحبة:
- الإيمانُ بقَضاءِ اللهِ وقَدَرِه يَجعَلُ المؤمِنَ في رِضًا كامِلٍ على كُلِّ أَحوالِه، بخِلافِ غَيرِ المُؤمِنِ الَّذي يَكونُ في سَخَطٍ دائِمٍ عندَ وُقوعِ ضَررٍ عليه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له ) (رواه مسلم) .
- من أعظم ما يصبِّر الإنسان على فقدان الأحبة، أن يستحضر جزاء الصبر والاحتساب عند الله: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة: 155-157) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن شقَّ عليه موتُ ابنه: ( أيُّما كانَ أحبُّ إليكَ أن تُمتَّعَ بِهِ عمُرَكَ، أو لا تأتي غدًا إلى بابٍ من أبوابِ الجنَّةِ إلَّا وجدتَهُ قَد سبقَكَ إليهِ يفتَحُهُ لَكَ )، قالَ: يا نبيَّ اللَّهِ، بل يَسبقُني إلى بابِ الجنَّةِ فيَفتحُها لي لَهوَ أحبُّ إليَّ، قالَ: ( فذاكَ لَكَ ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .
- وأن يتذكر في مصيبته مصيبة موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويتعزى بها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إذا أُصيبَ أحدكم بمصيبةٍ فليذكُرْ مصيبَتَهُ بي فإنَّها أعظمُ المصائبِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
