الكبائر (40) النياحة على الميت ولطم الخدود وشق الجيوب عند المصائب (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
وقال الشاعر -أبو العتاهية-:
اِصـبــِر لِـكُــلِّ مُـصـيـبَـةٍ وَتَجَـلَّـدِ وَاِعـلَـم بِـأَنَّ المَرءَ غَيـرُ مُـخَـلَّــدِ
أَوَما تَرى أَنَّ المَـصـائِـبَ جَـمـَّـةٌ وَتَـرى الـمَنِيـَّةَ لِلعِـبـادِ بـِـمـَرصَـدِ
مَن لَم يُصِب مِمَّن تَرى بِمُصيـبَةٍ هَـذا سَبـيـلٌ لَـسـتَ فـيـهِ بِــأَوحَــدِ
وَإِذا ذَكَـرتَ مُـحَــمَّـدًا وَمَـصـابَـهُ فَــاِذكُـر مُصابَـكَ بِالـنَـبـِيِّ مُـحَـمَّـدِ
- ومن أعظم ما يصبر الإنسان على فقدان الأحبة: أن يلتزم الشرع، ويقتدي بالصالحين؛ لما جاء نعي أبي سفيان -رضي الله عنه- من الشام دعت ابنته أم حبيبة -رضي الله عنها- في اليوم الثالث بطيب، فمسحت خديها وذراعيها، وقالت: ما لي بالطيب من حاجة لولا أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فَوقَ ثلاثِ ليالٍ، إلَّا على زَوجٍ أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا ) (متفق عليه) .
* وقفة مع امرأة من التاريخ مرت بالحالين عند المصيبة (الجزع والنياحة - والصبر والاحتساب):
- تلك المرأة العربية التي سُمِّيت بالخنساء، واسمها: تماضر بنت عمرو، ونسبها ينتهي إلى مضر؛ مرَّت بحالتين متشابهتين، لكن تصرفها تجاه كل حالة كان مختلفًا مع سابقتها أشد الاختلاف، متنافرًا أكبر التنافر، أولاهما: في الجاهلية، وثانيهما: في الإسلام.
- أما الحالة الأولى: فقد كانت في الجاهلية، يوم سمعت نبأ مقتل أخيها صخر، فوقع الخبر على قلبها كالصاعقة في الهشيم، فلبت النار به، وتوقدت جمرات قلبها حزنًا عليه، ونطق لسانها بمرثيات له بلغت عشرات القصائد، وكان مما فعلته حزنًا على أخويها "صخر ومعاوية" ما روي عن عمر "أنه شاهدها تطوف حول البيت وهي محلوقة الرأس، تلطم خديها، وقد علقت نعل صخر في خمارها!".
- وأما الحالة الثانية: فيوم نادى المنادي: أن هبي جيوش الإسلام للدفاع عن الدين والعقيدة ونشر الإسلام، فجمعت أولادها الأربعة وحثتهم على القتال والجهاد في سبيل الله، لكن الغريب في الأمر يوم بلغها نبأ استشهادهم، فما نطق لسانها برثائهم وهم فلذات كبدها، ولا لطمت الخدود ولا شقت الجيوب، وإنما قالت برباطة جأش وعزيمة وثقة: "الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وإني أسأل الله أن يجمعني معهم في مستقر رحمته!" (الاستيعاب لابن عبد البر، أسد الغابة لأبن أثير) .
خاتمة: البكاء لا ينافى الصبر:
- قد بكى النبي -صلى الله عليه وسلم- على ولده وغيره : أخرَج الشيخانِ: أنه -صلى الله عليه وسلم- عاد سعدَ بن عبادة ومعه جماعة، فَبَكَى رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ رَسولِ -صلى الله عليه وسلم- بَكَوْا، فَقالَ: ( أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بهذا، وَأَشَارَ إلى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ ) (متفق عليه) ، وأخرَجَا أيضًا: فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إلَيْهِ ونَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأنَّهَا في شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقالَ له سَعْدٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، ما هذا؟ قالَ: ( هذِه رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ في قُلُوبِ عِبَادِهِ، وإنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ) (متفق عليه) .
وروى البخاري: دَخَلْنَا عليه بَعْدَ ذلكَ وإبْرَاهِيمُ يَجُودُ بنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَذْرِفَانِ، فَقالَ له عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللَّهُ عنْه-: وأَنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: ( يَا ابْنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ ) ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقالَ -صلى الله عليه وسلم-: ( إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وإنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ) (متفق عليه) .
- وقد علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما نقوله حين المصيبة: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( ما مِن مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فيَقولُ ما أمَرَهُ اللَّهُ: ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأَخْلِفْ لي خَيْرًا مِنْها، إلَّا أخْلَفَ اللَّهُ له خَيْرًا مِنْها ) (رواه مسلم) .
جعلنا الله وإياكم من الصابرين المحتسبين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الصالقة: هي التي ترفع صوتها بالنياحة عند الفجيعة بالموت، أو عند نزول المصيبة. والحالقة: هي التي تحلق رأسها عند المصيبة. والشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.
