شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الجماعات الصدامية بين خداع الأحياء والمتاجرة بالأموات

أحمد الشحات • المنهج السلفي

(5) مما سبق أدركت جماعة الإخوان أن الشيخ سعيد -رحمه الله- يمكن استثماره ليكون بمثابة بذرة الخلاف داخل مجلس الإدارة؛ استغلالًا لحسن ظن الشيخ بهم، وتأثرًا بحسن معاملتهم له، خاصة والشيخ يأسره الإحسان جدًّا، مع حالة من الادعاء مارسها الإخوان مع كل من تعاملوا معهم أنهم الخبراء بمواطن الأمور، العارفون بمجريات الأحداث، القادرون على صنع التأثير، مع التلويح دائمًا بأن البديل للإخوان؛ إما العالمانيون الصرحاء، أو النظام البائد القديم، فيدفعون من أمامهم إلى هذه المعادلة الثنائية الحرجة التي تلزمه أن يختار الإخوان أو يسير في ركابهم أو يصدقهم؛ لأنهم أقرب إلينا من غيرهم.

وقد كشفت لنا الأحداث التفصيلية زيف هذه القسمة الثنائية، فهناك من الرموز من قام الإخوان بشيطنتهم وهم ليسوا كذلك، كما أن كثيرًا من السياسيين غير المؤدلجين وغير المعادين للمنهج الإسلامي هم أقرب إلينا بالفعل من قادة الإخوان الذين يستبطنون تكفير المجتمع، ويعتنقون الأفكار القطبية الصريحة.

(6) كان التأثير الأبرز على الشيخ سعيد من جانب جماعة الإخوان في الموقف من اعتصام رابعة، ومعلوم أن الاعتصام كانت فيه جملة من الكوارث، أبرزها: أنه تحول إلى منصة تكفيرية صدامية بامتياز، فقد حشد الإخوان كل رموز التطرف والصدام وأفسحوا لهم المجال لبث سمومهم الفكرية على الملأ، وهذا الأمر كان من أخطر جرائم هذه المنصة، ولم يمل الإخوان من دعوة كل الرموز الإسلامية إليها، حتى إنهم بعثوا رسولًا إلى الشيخ ياسر برهامي يدعوه إلى زيارة الميدان وإلقاء كلمة من أعلى المنصة، وعندما طالبهم الشيخ بتغيير الخطاب التكفيري المخالف، الصدامي للدولة والمجتمع، تنصلوا في البداية من أن يكون هذا الخطاب قد صدر من رموزهم! ورغم أن الشيخ شارك في الوساطة بينهم وبين رأس النظام في ذلك الوقت على أن يتراجعوا عن خطاب التثوير والصدام؛ إلا أنهم عادوا بعد ذلك ورفضوا الوساطة، وتعهدوا باستكمال المسيرة الصدامية.

(7) الحاصل أن الشيخ سعيد -عفا الله عنه- تحت تأثير الضغط المتلاحق من الإخوان وبفعل العاطفة غير المنضبطة في ذلك الموقف ذهب ووقف على منصة رابعة دون أن يرجع إلى مجلس الإدارة في هذا التصرف الفردي الذي جانبه فيه الصواب.

تكلم الشيخ سعيد على المنصة لمدة عشر دقائق، لا أبالغ إذا قلت أنها مبنية على المعلومات المغلوطة والكاذبة التي لقنتها له الجماعة، مثل: أن عدد المؤيدين للدكتور "مرسي" وصل إلى نسبة 80%، وأن عدد المؤيدين له في الميادين وصل إلى 45 مليون، وقد علق مسئول المنصة بتهكم مصطنع على كلام الشيخ سعيد بأن عدد المؤيدين للانقلاب في ميدان التحرير تجاوز (50) فردًا! تخيل حجم المفارقة، وكأنه لا توجد كاميرات، ولا يوجد بشر يشاهدون الناس في الشوارع ويمرون على نفس الميادين التي يتحدثون عنها!

فضلًا عن الفكرة الجوهرية التي نجح الإخوان في حشو الرؤوس بها من أن هذا انقلاب على الإسلام والشريعة، وأن من سيحكم مصر هم شيوعيون كارهون للإسلام، وأن قادة الانقلاب رتَّبوا هذا الأمر مع الأمريكان واليهود، وأن الانقلاب تم بدعم ومباركة إسرائيلية.

ثم ختم الشيخ كلامه -بالطامة الكبرى- موجهًا خطابه للمعتصمين بالثبات؛ لأنهم في جهاد ورباط، وأن من مات منهم فهو شهيد، فخير لكم أن تتلقوا الرصاص بصدوركم العارية بدلًا من أن تتلقوها في ظهوركم!

وبالطبع فلا يخفى على أي شبل تربى في مساجد الدعوة السلفية أن هذا الكلام مصادم للشرع والعقل؛ فضلًا أن يكون طالب علم أو داعية؛ فضلًا عن أن يكون الشيخ سعيد صاحب كتاب: (تحصيل الزاد) والذي بيَّن فيه مغبة الصدام والتهور، ورد على الجماعة الإسلامية التي كانت تتبنى الصدام والمواجهة المسلحة في ذلك الوقت.

ومن الصيد في الماء العكر: أن يخرج علينا أحد أبرز رؤوس الصدام والذي يحمل في عنقه أوزار دماء تسبب في سفكها عندما هدد الخارجين على الدكتور مرسي بالقتل؛ ذلك هو المدعو عاصم عبد الماجد الذي كتب عقب وفاة الشيخ سعيد: "أنه مات فارًّا بدينه من طواغيت مصر، مفارقًا منافقي حزب النور والمدرسة المدعاة بالسلفية بالإسكندرية التي كان أحد شيوخها الكبار قبل أن تُوالي الطواغيت، وتركن للذين ظلموا!".

نقول له: إن الشيخ سعيد ظل طوال عمره يُبيِّن للشباب خطورة منهجك أنتَ ومَن على شاكلتك، ولم يُؤثَر عنه أن تراجع عن فكره، أو انقلب على سلفيته، حتى وإن بدرت منه زلة رابعة.

المهم أنه لا يسعك -أيها القارئ- بعد معرفة ما قاله الشيخ سعيد على المنصة إلا أن تدعو الله أن يعصمك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن تحمد الله على سلامة المنهج الذي يبصرك مواطن قدمك، وأن تعرف أن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، وأن تتمسك بقاعدة: أن الرجال يعرفون بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال، وأخيرًا أن تدعو للشيخ أن يغفر الله له زلته، وأن يقيل عثرته.

الحقيقة: إن الشيخ سافر بعدها إلى خارج البلاد، ثم أضاف لهذه الزلة أخرى أفدح منها وأكثر خطورة وهي توقيعه على بيان نداء الكنانة الذي ينضح بالتكفير الصريح والصدام الدامي، ثم انقطع الشيخ بعدها عن أي مشاركة قولية أو كتابية، صوتية أو مرئية، فضائية أو إلكترونية، وظل على هذه الحال في مدينة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن توفي -رحمه الله وعفا عنه-.

وقبل أن نختم نريد أن نشير إلى بعض الملاحظات:

(1) كان الشيخ وسط إخوانه طوال عمره صادعًا بالحق عاملًا به، داعيًا إلى الله، معلمًا للخير داعيًا له، لا يكاد يفرغ من عمل علمي أو دعوي، بين خطبة ودرس وندوة، وتأليف كتاب وكتابة مقال؛ فضلًا عن مباشرة الأمور الدعوية والتنظيمية، والسفر بين المحافظات والانتقال بين المساجد؛ فما أن ترك إخوانه -وبتعبير عاصم عبد الماجد: جهر بالحق أمام السلطان الجائر- حتى خمل ذكره، وضعف جهده، وجف قلمه واختفى صوته، ولم يؤثر عنه أن أصدر رسالة أو كتب كتابًا، أو ألقى موعظة؛ فإياك من مفارقة الجماعة، فإن الفرد قليل بنفسه كثير بإخوانه، والشيطان قريب من الواحد ومن الاثنين أبعد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية