أمن أجل موقف ملتبس يريد دعاة الصدام أن يختطفوا منا شيخنا سعيد عبد العظيم؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فـ"شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه"؛ كلمة أطلقها عَلَم من أعلام المنهج السلفي على مدار القرون السبعة الأخيرة، وهو العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وكان يعني بذلك الهروي -رحمه الله وعفا عنه-، ولكن صارت مثلًا يتمثل به كل سلفي يضطر إلى أن يخالف شيخًا من شيوخه.
والشيخ سعيد عبد العظيم -رحمه الله تعالى- لمن يعرفه، كان يحب أن يؤكد على تلك القواعد الإجمالية الكلية، فيقررها ويكررها بين ثنايا دروس منهجية، وخطب وعظية، فتستقر في نفوس طلبة العلم، وغيرهم، بسلاسة وعذوبة حتى ينصرف ذهنك عندما تسمعها إلى الشيخ سعيد عبد العظيم -رحمه الله تعالى-.
وهذا شأن كثير من الأقوال المأثورة التي كان -رحمه الله- يحرص على غرسها في نفوس تلامذته وأبناء دعوته، مثل:
- كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.
- لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
- ما لم يكن لهم يومئذٍ دينًا، فليس لنا اليوم دينًا.
- شر الأمور مبتدعاتها، والاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة.
- نتقي الله فيمن لم يتَّقِ الله فينا، ونطيع الله فيمن عصى الله فينا، ونصبر على من بغى علينا.
- من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو أمارة المسلم المؤمن.
- سرية هي أضر بكثير من العلنية.
- مراعاة المصالح والمفاسد في الإقدام والإحجام يخضع للقواعد الشرعية، فشرع الله مصلحة كله، وحيثما كانت المصلحة المعتبرة فثم شرع الله، كما أن التناسب بين حالة الحكام ومحكوميهم، وحالة العباد والكون من حولهم يستلفت الأنظار شرعًا وكونًا.
هذه عبارات تلخص بعض خصائص المنهج الذي أخذه مشايخ دعوتنا المؤسسين -ومنهم فضيلة الشيخ سعيد عبد العظيم- عن شيوخ السلفية المعاصرين عن أئمة العصور الوسطية، ومن أبرزهم: شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأئمة الأعلام، وهذا المنهج قائم على الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة؛ ليس في العقيدة وفقط -(كما تزعم بعض المدارس المعاصرة المنتسبة إلى السلفية، ويا ليتهم وفوا بهذا الشرط، بل خلطوا تناولهم للعقيدة بمسارات قطبية تلتقي وتتشابه مع النزعات المعتزلية القديمة!)-، ولكن هذا المنهج في العقيدة والعمل والسلوك، ومناهج الدعوة، ومناهج التغيير، والشيخ سعيد عبد العظيم عاش عمره على هذا المنهج.
وكانت الدعوة السلفية قد حاولت قدر الإمكان التدخل لحل مشاكل الإخوان مع معارضيهم (لكن يا للأسف استدعى الإخوان غضب الإسلاميين على تلك المعارضة بكونها يسارية ليبرالية، وهذا صحيح، ولكن الإخوان هم مَن عقد معهم اتفاقَ تفاهم، ووعدوهم على الملأ بمشاركة في الحكم أثناء التحضير لجولة الإعادة في انتخابات الرئاسة فيما عُرِف بمؤتمر الفيرمونت)، والمشكلة الأكبر كانت صدام الإخوان مع مؤسسات الدولة، وهو ما ظهر جليًّا في الإعلان الدستوري، وكان آخر مشهد في 1-12-2012.
ورغم إعلاننا رفضنا للإعلان الدستوري؛ إلا أننا شاركنا بفاعلية كبرى جدًّا؛ للتأكيد على أن الاعتراض على الإعلان الدستوري لا يرقى إلى المطالبة بعزل الدكتور "محمد مرسي"، ولكن الإخوان استمروا في التصعيد وأخذوا معهم بعض الرموز المنتسبة للسلفية التي اتضح أنها أكثر انتماءً للفكر القطبي، وبالتالي فهم متقبِّلون للصدام، لكنهم صدروا لكثير من المشايخ أن الجيش والشرطة معهم، أو -على الأقل- على الحياد، وأنه ليس مطلوب من الإسلاميين إلا مكاثرة عدد المعارضين بعدد يفوقهم. وكانت القاصمة بالنسبة لنا ما دار في اجتماع بين وفدٍ من مجلس إدارة الدعوة السلفية وبين وفد من مكتب إرشاد جماعة الإخوان في 16-6-2013.
ويا للأسف لم يكن الشيخ سعيد عبد العظيم في الإسكندرية حينها، وكانوا قد أخبرونا بالزيارة في الليلة التي تمت الزيارة في صبيحتها، وتبيَّن لنا من الحوار أن الإخوان يريدون عددًا كبيرًا يصادمون به كل من يعترضهم!
وأبلغناهم بمنتهى الوضوح: أننا ننصحهم بالرجوع عن هذا التوجه، وأننا لن نستطيع المشاركة في أي فاعلية؛ لا سيما مع بوادر التلويح بالتكفير والعنف التي ظهرت في حفل أكتوبر في الإستاد، وهذا الاجتماع الذي غاب عنه الشيخ سعيد عبد العظيم ونُقِل له من طرفهم؛ حيث عاد وناقشنا في الوضع، وأنه مطمئن للغاية لقوة العلاقة بين مؤسسة الرئاسة وباقي مؤسسات الدولة؛ لا سيما المؤسسة العسكرية… مع الأخذ في الاعتبار: أن العقلية الصدامية للإخوان لم تكن معلنة، بل حرصوا إلى آخر اللحظات "حتى خطاب الدكتور مرسي الأخير" على الترويج بأن مؤسسات الدولة متماسكة، ومن هنا انزلقت قدم الشيخ سعيد عبد العظيم في تأييد هذا الموقف (وللمزيد من التوضيح حول هذا الموقف راجع مقال: ( "الجماعات الصدامية بين خداع الأحياء والمتاجرة بالأموات" لأحمد الشحات).
وينبغي أن نفرِّق هنا بوضوح بين نِسبة الشيخ -رحمه الله- إلى التخلي عن المنهج الإصلاحي الذي عاش يدعو إليه، وبين أنه كان يرى اتخاذ موقف من حالة وجود رئيس منتخبٍ تروم مجموعة من الفسدة خلعه، وهذا كان يظهر مِن تتبع كتاباته على صفحت الفيس بوك الخاصة به. نعم كتب الشيخ على صفحته بعد فض رابعة مشاركات -بلا شك- كانت متأثرة بدماء سالت، تألم من أجلها الجميع، لكنه من الناحية المنهجية لم يتخلَّ عن منهجه.
وهذا منشور للشيخ بتاريخ 24 إبريل 2014 قال فيه: "أذكر أنني منذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي الميلادي، وأنا أفنِّد وأرد على جماعات التكفير التي ظهرت، مثل: العزلة الشعورية، والتكفير والهجرة، إلخ، وقد ألَّفت -بحمد الله- العديد من الكتب، وكتبت الكثير من المقالات والنشرات؛ حتى أوضِّح طبيعة المنهج السلفي، وأهمية الرجوع للكتاب والسنة بفهم سلف الأمة في حياتنا الخاصة والعامة؛ في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق، وفي الحرب والسلم، والبيت والسوق، وكنت أعلق دومًا على الأحداث السياسية، وغيرها؛ ولذلك كان قطاع عريض يحضر الخطب والدروس لسماع التعليقات التي تربط بين الدين والدنيا، والأرض والسماء.
