شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أمن أجل موقف ملتبس يريد دعاة الصدام أن يختطفوا منا شيخنا سعيد عبد العظيم؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وقبل منتصف الثمانينيات من القرن الماضي ألفت كتاب (تحصيل الزاد لتحقيق الجهاد)؛ للرد على بعض المغالطات والشبهات التي تتعلق بهذا الجانب، وأذكر أن كثيرًا من الكلمات التي كانت تقال في هذا الجانب كانت عبارة عن حماسات تفتقر الكثير من الفقه.

ومن أوائل الكتب التي كتبتها: كتاب (الديمقراطية في الميزان)، وذلك منذ حوالى ثلاثين عامًا، وكنت معنيًا منذ نعومة أظفاري بوحدة المسلمين، أحب الكلمة الطيبة وأقدِر المواقف الحسنة لأهلها حتى وإن اختلفت مع أصحابها في المنهج، فحرصي على تخليص المنهج السلفي من الشوائب التي قد تلصق به لا يمنعني من العدل والإنصاف في الجملة... وهذه أمنية أتمناها لنفسي ولعموم الخلق، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسى ومن الشيطان، والله منه بريء؛ ولذلك ألفت كتاب (ضوابط شرعية لتحقيق الأخوة الإيمانية والوحدة الإسلامية)، وكنت أردد دومًا: العدل أساس الملك، وبه قامت السماوات والأرض، ( ‌وَلَا ‌يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة: 8) ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد أثنى على الروم بخصال أربع رغم كفرهم، فالخلاف لا يعني الظلم والبغي، أو الجور والتعدي، وقد تطلب الأمر أن أوضح الفرق بين الدعوة السلفية والإخوان، وجماعة التبليغ، والجهاد، والتكفير، إلخ.

فأسئلة الناس والشباب تكثر في هذا الجانب بصفة خاصة، ولا أزعم الانفراد بهذا الأمر؛ فكل أصحاب الدعوات يتعرضون له، فمن وُفِّق فالله وفقه، وإلا فالخلاف شر كله، وما أبريء نفسى، قد أصيب وقد أخطئ، والخطأ مردود على صاحبه كائنًا من كان، والحق مقبول مِن كل مَن جاء به.

يحزنني ويؤلمني أن أجد بعض إخواني وأبنائي في الدعوة السلفية ممن يؤيدون الانقلاب على الشرعية يذكرونني بأنني أصبت عندما كلمتهم عن الإخوان، وقلت لهم: فيهم كذا وكذا!

وهذا هو العمى بعينه! وإلا فهل قلت لهم أو لغيرهم يومًا: اقتلوهم أو اظلموهم؟!

هل سمع مني مخلوق جواز الخروج على الحاكم منهم، ومشاركة المتآمرين عليه وخلعه، والسكوت على الخيانة، وتدمير البلاد والعباد، وانتهاك الأعراض، وغض الطرف عن الشيعة والشريعة بعد تهييج الدنيا، وتأليب العامة على الحاكم الشرعي؛ بزعم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر...؟!

الغرض مرض، وإقحام ما قلته يومًا في مثل هذه المواقف والأحداث، بمثابة تلبيس وتزوير وتدليس... سامحكم الله وغفر لكم.

لقد شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- حِلْفًا في دار عبد الله بن جدعان لنصرة المظلوم -قرشيًّا كان أو غير قرشي-، وقال: ( لَقَدْ شَهِدْتُ فِي ‌دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ‌جُدْعَانَ ‌حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ بِهِ حُمُرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ ) (السنن الكبرى للبيهقي) ، فانصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، وإياك أن تكون من أعوان الظلمة، أو أن تكون أنت الظالم لا من أعوانه وأنصاره فحسب!" (انتهى وهي موجودة على موقعه إلى يومنا هذا) .

وأنا أورد هذا المنشور للدفاع عن الشيخ منهجيًّا؛ رغم ما فيه من وصف غير صحيح بالمرة لواقعنا، من أننا أعنا على الإخوان! بل هم مَن أصر على الصدام، وخرج منهم بعد ذلك واحد بعد واحد يعترف بهذا. وليس صحيح أننا أعنا على قتل أحد، بل أنكرنا كل عدوان على الدماء (ولو كان الإلزام الذي ذكره الشيخ صحيحًا؛ لجاز لأحدٍ أن يقول: إن الشيخ مسؤول عن أي تعدٍّ في المواجهة مع جماعات الصدام في الثمانينيات).

وعمومًا الذي يهمني هنا: إثبات أن الشيخ ظل يذكِّر بثباته على منهجه، وإن كان قد ظن في إخوانه ما ظن.

ورغم هذه الشدة من الشيخ في كلامه على الدعوة، فقد التزمنا الصمت أدبًا مع الشيخ، ومعرفة بطبيعته؛ فكم دارت بيننا مناقشات داخلية، لعل من أبرزها ونحن مسجونون في عام 2002، وبلغت فيها الشدة أوجها، وإن كانت تهمتنا ساعتها عند الشيخ كانت هي "التهور"، وليس "الركون إلى الذين ظلموا"، وتحملنا من شيخنا في هذه وفي تلك، وانتهت المناقشات القديمة إلى رؤية يعمل بها الجميع.

وهذه المرة كانت لوجود مَن "يسعِّر" الخلاف ليستفيد؛ أملًا أن يندفع شباب الدعوة السلفية إلى أتون المعركة في رابعة، ثم في مظاهرات كانت مشتعلة حينها (والحمد لله الغالبية العظمى مع حبها للشيخ بقيت على القرار الجماعي)، ثم وقع في منتصف 2015 أن صدر بيان "نداء الكنانة" ينظِّر لمسالك صدامية، ويا للأسف وجدنا توقيع الشيخ عليه!

ومن فرط المفاجأة فقد سافر أحد المشايخ الكبار (من غير الممثلين في مجلس الإدارة) للعمرة والتقى الشيخ سعيد، وحذَّره من وجود توقيعه على بيان يخالف منهج الدعوة، ولكن يبدو أن الشيخ سعيد لم يستطع أن يفعل إجراءً يتبرأ به من هذا البيان، وطبعًا الجميع يعرف كيف توضع أسماء التوقيعات.

وسأحكي واقعة في ذلك: أنه في يوم صدور "الإعلان الدستوري" نظَّمت (الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح) لقاءً حافلًا للخروج بموقف موحَّد للإسلاميين من دستور 2012، وأثناء اللقاء كان بعض الإخوة يقولون: انتظروا اليوم حدثًا جللًا، وفجأة انتشر الإعلان الدستوري، وفجأة أسدل الستار على المناقشات حول الدستور، وطُلِب من الجميع التوقيع على بيان تأييد للإعلان الدستوري.

ومن توفيق الله لنا: أن ممثلي الدعوة السلفية بعد التشاور (وكان منهم الشيخ سعيد عبد العظيم) قرروا أن يصدروا بيانًا مستقلًا تم فيه التأكيد على رفض بعض نقاط هذا الإعلان الدستوري؛ أهمها: تحصين قرارات الرئيس.

المهم أن الدعوة وجدت نفسها أمام الواقع الذي يقال فيه: "شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه"؛ لأننا أصبحنا أمام تنظير ينسب إلى الشيخ أنه من جملة من أقره، فكتبت مقالًا في الرد على الشيخ سعيد عبد العظيم -رحمه الله-، وجعلته في الرد عليه من كُتُبه، وسميته: ( كُتُب الشيخ "سعيد عبد العظيم" ترد على فكر بيان "نداء الكنانة"... فكيف وقـَّع عليه؟! ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية