فمن يَعِظُ العاصينَ بعد محمدٍ؟
الشيخ محمد إسماعيل المقدم • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن الوعظ تذكير بالخير، وما يَرِقُّ له القلبُ ويلينُ من ثواب وعقاب، ومن مرادفاته النُّصْح، وأعظم ما عُبِد اللهُ به نصيحةُ خَلْقِهِ، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: ( الدِّينُ النَّصِيحَة ) (متفق عليه) .
وللموعظة شأن عظيم في كتاب الله -تعالى-؛ فالقرآن نفسه موعظة، وقد وصفه الله بذلك في أربعة مواضع من كتابه العزيز؛ قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ) (يونس:57) ، وقال -سبحانه-: ( هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ) (آل عمران:138) ، وقال -عز وجل-: ( وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) (هود:120) ، وقال -سبحانه-: ( وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) (النور:34) .
وورد بصيغة المضارع في قوله -تعالى-: ( وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ) (البقرة:231) ، وقولِه -سبحانه-: ( يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (النور:17) .
والوعظ من مَهامِّ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- التي كَلَّفه اللهُ بها:
قال -تعالى-: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ) (النساء:63) ، وقال -عز وجل-: ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) (سبأ:46) .
والموعظة وسيلة دعوية أمر الله بها خليلَه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) الآية (النحل:125) .
إن الحكمة لا تكون إلا حسنة؛ لأن حُسْنَها ذاتي، فلم تحتج لتقييدها بالحُسْنِ، أما الموعظة فقد تكون حسنة، وقد تكون فظةً غليظة عنيفة، خَشِنَةً جارحة مُهينة، فتكسر نفسَ الموعوظِ وتٌنَفِّره، وقد أمر الله موسى وهارون -عليهما السلام- فقال: ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) (طه:44) ، وقال مخاطبًا رسوله -صلى الله عليه وسلم-: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (آل عمران:159) ، وأمر المؤمنين أمرًا عامًّا فقال -سبحانه-: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) (البقرة:83) ، قال عطاء: "دخل في هذه الآية اليهود والنصارى؛ فكيف بالحنيفي؟!".
بالوعظ والتذكير تتهذب النفوس، وتستيقظ العقول من غفلتها، وتُفِيقُ القلوبُ من رَقْدتها، وتُشْرِقُ شمسُ الطاعة فتنير البصائرَ، وتجلو عنها ظلمةَ المعاصي، وكم من شاردٍ عن الجادَّة، يكفيه في الرجوع إليها موعظةُ زاجرٍ، أو نصيحةُ ناصح، تُرَقِّقُ قلبَه، وتُهَذِّبُ نفسَه، وتُوقِظُه من غفلتِهِ، وتُرَغِّبُه في طاعةِ الله -تعالى-، وتُرَهِّبه من معصيته -عز وجل-.
إذا وُعِظتَ فاتَّعِظْ:
لقد شبه الله -تعالى- الذين يَصُدُّون عن الموعظة التي تهديهم، ويُعرضون عن النصيحة التي تُنَجِّيهم، ويفرُّون من التذكرة التي تُحْييهم بحُمُرِ الوحشِ المستنفرةِ التي تفر في كل اتجاه حين تسمع زئير الأسد وتخشاه؛ ليس لأنهم خائفون، ولكن لأن مذكِّرًا يذكرهم بربهم ومصيرهم، ويدعوهم إلى النجاة، فقال -سبحانه-: ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ . كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ . فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) (المدثر:49-51) .
وذم الله -سبحانه- من يستكبر على النصيحة، فقال: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ) (البقرة:206) .
وصَحَّ عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنَّ أَبْغَضَ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اتَّقِ اللهَ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ نَفْسَكَ ) (رواه النسائي في السنن الكبرى، والبيهقي، وصححه الألباني) .
وعيد من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويأتيه:
وقد وبَّخ الله -تعالى- من يدعو الناس إلى المعروف وهو لا يفعله، فقال -عز وجل-: ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) (البقرة:44) ، وقال -سبحانه-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) (الصف:2، 3) ، وقال شعيب -عليه السلام-: ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) (هود:88) .
وعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ) (متفق عليه) .
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ، يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ؟! ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسقط عن صالح أو طالح:
