مؤسسة تكوين الفكر العربي (5) بعد مائة عام من فشل الحملة الأولى.. تكوين تطلق الحملة الثانية ضد القرآن الكريم!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد استعرضنا في المقالات السابقة بعض الانحرافات الفكرية لـ"مؤسسة تكوين"، وبعض هذه الانحرافات التي ينادون بها اعتدنا عليها، كالشبهات الموجَّهة إلى السنة النبوية؛ سواء الشبهات المتعلقة بحجيتها أو بتدوينها، أو بدلالتها، وغير ذلك مما يهرف به "إبراهيم عيسى"، و"إسلام البحيري!".
بل حتى افتراءات "يوسف زيدان" على "صلاح الدين" -رحمه الله-، وزعمه أن المسجد الأقصى في الطائف، تحولت إلى ما يشبه المقاطع الفكاهية، طبعًا جنبًا إلى جنب مع مقطعه الأشد إضحاكًا الذي يتحدث فيه عن "توابل بردة كعب" -رضي الله عنه-، والمقطع الذي دافع فيه عن المقطع الأول زاعمًا أن "بردة البوصيري" أيضًا لم تخلُ من التوابل!
فما الجديد في مؤسسة تكوين؟!
الجديد أن مجلس أمناء مؤسسة تكوين، يضم:
- "فراس سواح"، والذي يقدَّم على أنه متخصص في علم تاريخ الأديان!
- كما يضم "نايلة أبي نادر"، والتي ذَكَر موقع المؤسسة أنها حاصلة على الدكتوراة، وعنوان رسالتها كان: "خصوصية المنهج النقدي في الفكر العربي الإسلامي المعاصر من خلال محمد أركون، ومحمد عابد الجابري".
- كما يضم "ألفة يوسف" التي عرفها موقع المؤسسة بأنها باحثة في الإسلاميات، والتحليل النفسي، وقضايا الجندر.
وهؤلاء الباحثون الثلاثة أجانب عن مصر كجنسيات، ولكن ليس هذا هو المهم، وإنما المهم أنهم ينتمون إلى بلاد نجح فيها التغريبيون والعالمانيون أن يعبثوا باسم البحث العلمي في ثوابتٍ لم يقبل المجتمع المصري عبر تاريخه حتى مجرد طرحها على مائدة المناقشة:
- فقد تكلَّم رفاعة الطهطاوي عن الانبهار بالانحلال الأخلاقي في فرنسا: وإن كان قد أعقبه بتعقيب خافت أنه لا ينصح المسلمين به؛ فثار الجميع ضده "وعلى رأسهم الأزهر".
- و طرح "علي عبد الرزاق" دعوى: أن الاسلام لا يتضمن نظامًا للحكم؛ فثار ضده الجميع "وعلى رأسهم الأزهر".
- وردَّد الحداثيون شبهات كثيرة حول السنة: فتصدَّى لها العلامة "محب الدين الخطيب، والعلامة محمد رشيد رضا"، وغيرهما.
- ثم جمعها "أبو رية" في كتابه المظلم: "أضواء على السنة النبوية" الذي نشره في عام 1957م، وإن كانت الشبهات ذاتها كانت مطروحة في الصحافة المصرية والعربية منذ بدايات القرن العشرين، فلما نُشِر كتاب أبي رية؛ كلَّف الأزهر العلامة "محمد أبو شهبة" لكتابة رد عليه، فكتب كتابه القيم: "دفاع عن السنة النبوية"، وتولَّت مجلة الأزهر -وكان يرأس تحريرها حينها العلامة محب الدين الخطيب- نشر الكثير من الردود عليه.
وكل هذه المعارك تصدت لها الأمة، وبقي للمستشرقين وأذنابهم تلاميذ، ولدعاة الحق تلاميذ؛ حتى انتهى أمر الطعن في السنة في مصر إلى إبراهيم عيسى، والبحيري، وفي المقابل -بفضل الله تعالى- ما زال يوجد مَن يبدِّد ظلام هذه الشبهات.
ولكن المعركة الكبرى كانت في الطعن في القرآن ذاته! وهي معركة دارت رحاها في معظم البلاد العربية، وانتهت في بعض البلاد العربية إلى ما انتهت إليه معركة الطعن في السنة؛ أن المعركة مستمرة، فهناك مَن يرث الضلالة وينشر الطعن في القرآن، ومِن أبرزهم في العصور المتأخرة: محمد أركون، والجابري، وهناك بلا شك علماء وأدباء ومصلحون يردون ويفندون،
ولكن في مصر كانت القصة مختلفة -بفضل الله- حيث لم يقبل المجتمع المصري حتى وجود تلك الشبهة كشبهة، ولم يسمح أن تُكتب حتى في كتاب ملقى على رفٍّ في مكتبة نائية.
وإليك تفاصيل تلك المعركة:
- في مصر كانت الطعون في القرآن تأتي من المستشرقين أو من تلاميذهم الذين لم تعتبرهم الأمة جزءًا منها: كسلامة موسى، وغيره.
- ولكن الصدمة الكبرى حصلت لما جاءت عن طريق أحدِ مَن درسوا في الأزهر، وهو: "طه حسين"؛ الذي لمز عصمة القرآن في مواطن من كتابه: "في الشعر الجاهلي" الذى نشره عام 1926 كما تقدَّم في مقالة سابقة، ولكن الانتفاضة المصرية المتمثلة في قادة الفكر الإسلامي: كالشيخ محمد رشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، والأزهر، وهيئة كبار علمائه، وشيخه، واللجنة الخاصة التي كوَّنها شيخه للرد على الكتاب، والحكومة والقصر، والنيابة العامة، والساسة، والوطنيين مثل: "محمد فريد وجدي"، والأدباء، وعلى رأسهم الأديب الألمعي: "مصطفى صادق الرافعي" الذي كشف عوار أدب طه حسين، وكشف عوار مدير الجامعة المصرية الذي مكَّنه من تدريس كتبه في الجامعة "أحمد لطفي السيد"، ودافع عن القرآن وعن بلاغته، وعن علومه، وبيَّن البُعد الشديد بين طه حسين وبين العربية، وأنه يحتاج مَن يترجم له من العربية إلى العربية!
وفى النهاية تراجع طه حسين عن كتابه، وجعل الطبعة الجديدة كتابًا مختلفًا بعنوان آخر، وهو: "في الأدب الجاهلي"، ويا للأسف طه حسين تراجع عن هذا، ولكنه في عام 1938 كتب كتابًا بعنوان: (مستقبل الثقافة في مصر) يؤصِّل للتغريب، وفي عام 1957 نال نصيبًا من الطعن الثاني، وهو تقديمه لكتاب صديقه "أبي رية": (أضواء على السنة النبوية)، والذي أصَّل فيه للطعن في السنة النبوية.
وقد قدَّمنا في مقالات خاصة عن تراجعات طه حسين: أن طه حسين "تحسن فكره" في آخر حياته فيما يتعلق بالقرآن، ولكنه من حيث السنة والسيرة بقي فيها على الشكوك التي أثارها صاحبه أبو رية، أو على كثير منها -على الأقل-.
المهم: أن المجتمع المصري لم يقبل حتى أن يوجد على رفٍّ من أرفف مكتباته، كتابًا يطعن في القرآن، ولم يقبل أن يطرح في صالون ثقافي ولو كان يضم بضعة نفر أي طعن في القرآن.
ثم جاء "نصر حامد أبو زيد" فلم يجرؤ أن يطعن في القرآن صراحة فصب هجومه على الإمام الشافعي -رفع الله قدره بمقدار ما تنبَّه مبكرًا لتلك الحرب فحَصَّنَّا منها بكتابه الماتع: "الرسالة"-، فجعل نصر حامد أبو زيد طعنه في القرآن مستترًا، وأظهره وكأنه نقد لكتاب: "الرسالة"، وفي صاحبه الإمام الشافعي!
