شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين (1)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

(من تراث الدعوة)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ) (الإسراء:4-8) .

قدَّر الله أن تساء وجوه أقوام على يد كافرين وظالمين، وصفهم الله بأنهم أولو بأس شديد "بختنصر"، ومن بعده الذين خربوا بيت المقدس، وقدَّر أن يدخل هؤلاء الكافرون المسجد الأقصى الذي شرَّفه الله -عز وجل- ويدمروا كل ما استولوا عليه ( وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا )، كل ذلك لماذا؟! ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ )، قدَّر الله ذلك لرحمةٍ أرادها -عز وجل- بالمغلوبين المظلومين؛ لأنهم سبق منهم من الذنوب ما يهلكهم؛ فأراد الله أن يرحمهم، ولا سبيل إلى ذلك في حكمة الله -عز وجل- وعلمه السابق إلا بأن يسلِّط عليهم مَن ينكل بهم، ولكنه هو أرحم الراحمين.

وتأمل دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، وتأمل قول الله -تعالى-: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) (الشورى:30) ، فلابد أن نتوب إلى الله -عز وجل- عسى ربنا أن يرحمنا بعد ما حلَّ ببلادنا من البلاء، ولا بد أن نعلم أن حكمة الله -عز وجل- بالغة، وأن قدره سابق، وأن وجود سفك الدماء الذي يبغضه الله وحرمه شرعًا -ومع ذلك- قدَّره لوجود عبادات أخرى من عبادٍ له مؤمنين: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:30) ، قال غير واحد من السلف: "يعلم أنه سيوجد منهم النبيون والعباد والزهاد والعلماء، والآمرون المعروف والناهون عن المنكر"، توجد المنكرات والمؤمن هو المقصود منها؛ ليس المقصود أن يقع فيها، ولكن المقصود أن يكرهها وينكرها، ويسعى إلى إزالتها بالوسائل التي شرعها الله -عز وجل-.

وكما أن الله -عز وجل- قدَّر أن ألم الجوع يدفع بالأكل، وأن ألم العطش يدفع بالشرب، هكذا قدَّر الله لكل شيء أسبابًا، وشرع لنا أن نأخذ بها لنصلح واقعنا، فالله -عز وجل- لا يحب الفساد، وقد أوجب علينا أن ننظر في مآلات الأمور وعواقبها، وهذا يقتضي دراسة للشرع وسنن الأنبياء والاقتراب من كتاب الله -عز وجل-، ومن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرته، ثم دراسة الواقع.

ولنتأمل في قصة موسى -عليه السلام -وبني إسرائيل: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) (القصص:4) ، هل نحتمل مثل هذا الاستضعاف؟! أن تتم المتابعة قبل الولادة، وتُسجل كل امرأة حامل فإذا قرب وقت ولادتها مروا عليهم كل حين لينظروا أين ذهب الحمل، فإذا كان ذكرًا دخل الذبَّاحون بشفراتهم ليذبحوا مَن؟! الرضيع!

تخيل هذه المسألة... ما ذنبه؟!

لم يخرج من بيته، لم يشهر سلاحًا، لم يعترض حتى بكلمة... ولكنه الطغيان والجبروت؛ ليس إلا إرادة التجبر والتكبر، واستضعاف طائفة بأن تكون ذليلة مهانة؛ ليس لشيء إلا لأنها آمنت بالله، أو إن منها مَن آمن بالله، فيدخل الذباحون فيذبحون الذكور ويتركون الإناث للخدمة والذل، وليتخيل الواحد منا ابنته الكريمة العزيزة عنده تؤخذ منه لتخدم الكفرة المجرمين، وليتصور أمة عامتها إناث بلا ذكور كيف يكون حالها؟!

وقد استمر هذا الاستضعاف مِن قبْل ولادة موسى -عليه السلام- إلى أن جاء -عليه السلام- بعد حوالي 40 سنة، فكانت رحلة طويلة من الاستضعاف!

الصفحة التالية