مؤسسة تكوين الفكر العربي (6) "يوسف زيدان" يقدِّم لنا دينًا يدافع عن إبليس.. وثورة تستلهم اغتيالات الحشاشين!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
أحدهما: التنصيص على قطع المسافة العظيمة في جزء ليلة؛ لأن كلًّا من الظرف، وهو: ( لَيْلًا )، ومن المجرورين ( مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى )، قد تعلَّق بفعل، ( أَسْرى )، فهو تعلق يقتضي المقارنة؛ ليُعلم أنه من قبيل المعجزات.
وثانيهما: الإيماء إلى أن الله -تعالى- يجعل هذا الإسراء رمزًا إلى أن الإسلام جمع ما جاءت به شرائع التوحيد والحنيفية من عهد إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- الصادر من المسجد الحرام إلى ما تفرع عنه من الشرائع التي كان مقرها بيت المقدس، ثم إلى خاتمتها التي ظهرت من مكة أيضًا؛ فقد صدرت الحنيفية من المسجد الحرام وتفرعت في المسجد الأقصى، ثم عادت إلى المسجد الحرام كما عاد الإسراء إلى مكة؛ لأن كل سُرًى يعقبه تأويبٌ، وبذلك حصل رَدُّ الْعَجُز على الصَّدْر" (انتهى كلام الطاهر بن عاشور -رحمه الله-) .
ولكن الأقصى تبقى على بابها كأفعل تفضيل، فإذا قال أي إنسان وَصَف مسجد بلده: إن أقرب مساجدها من موضع ما كذا... وأقصاها كذا... فلا يتصور أن يندفع قارئ بلا عقل أو روية، ويقول: عثرت على مكان آخر للمسجد الأقصى، وهذا ما فعله زيدان حينما أخذ يفتش في اللغة عن أي مسجد وصف بأنه "أقصى" كوصف مكاني؛ ليقول: إنه هو المعني بالمعجزة التي كانت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-!
شعبذة أن عبادات المسلمين كانت بالسنة الشمسية:
قال الله -تعالى-: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) (البقرة: 189 ) ، فدلت دلالة قطعية على أن عباداتنا بالأشهر القمرية، والله -تعالى- يقول أيضًا: ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ) (التوبة: 36) ، فدل على أن السَّنة اثنا عشر شهرًا من هذه السنة القمرية، ولكن وقع في تسمية الأشهر القمرية ما يربطها بفصل مناخي معين، ومن أبرز هذا "ربيع الأول" و"ربيع الآخر"، وتفسير هذا يسير جدًّا ولو تخمينًا، وهو أنه اتفق في الوقت الذي وضعت فيه هذه الأسماء أن وافقت هذه الشهور تلك المواسم المناخية، ولكن يوسف زيدان تقليدًا لبعض المخرِّفين الآخرين قال: ولماذا لا نقول: إن العرب كانوا يضيفون شهرًا إضافيًّا كل ثلاث سنوات تكون سنته "13 شهرًا" خلافًا لنص الآية، بحيث يكون الشهر القمري دائمًا ثابتًا تقريبًا في موقعه المناخي!
ومن خذلان الله لهم: أنهم سموا هذا نسيئًا، وزعموا أنه في القرآن، ولكن إنما ورد النسيء في القرآن مذمومًا (وورد تفسيره عن السلف أن العرب كانت تفعله من أجل استحلال الشهر الحرام لا من أجل ضبط الأشهر القمرية على السنة الشمسية)، فزعم هؤلاء خلافًا لكل السلف أن النسيء هو شهرهم الثالث عشر، وأن المنهي عنه التلاعب فيه بكونهم كانوا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا.
وزعم هؤلاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر وعثمان، كانوا يزيدون هذا الشهر كل ثلاث سنوات حتى منعه الأمويون!
( الحل السحري لدى هؤلاء: أن كل ما لا يعجبهم إما أنه من وضع الأمويين أو العباسيين أو العثمانيين؛ يعني التاريخ الإسلامي كله عندهم هو تاريخ تلاعب فيه الحكام بالشريعة!).
ومنذ أيام هنئننا يوسف زيدان بعيد الأضحى، ولكنه لم يفته أن يعيرنا أن التوقيت تلاعب فيه الأميون -على حدِّ زعمه!-.
وقفة أخيرة:
عند ابن عربي وعبد الكريم الجيلي: عبدة الأوثان لا غبار عليهم من عِدَّة جهات:
- أن ابن عربي زعم أنه لا يعرف إلا الحب، ولا يمكنه أن يكره الكفر ولا الفسوق ولا العصيان!
- أن هؤلاء معذورون بما قَدَّره الله عليهم.
- أن هؤلاء وإن عبدوا الأوثان وهم مخطئون، لكن مَن سيصل إلى الولاية سيكتشف أنهم مصيبون؛ عندما يدرك أن هذا الكون كله هو الله! (وكل واحدة من هذه، كفر مستقل).
وزيدان شديد الاحتفاء والحفاوة بهذا الكلام.
والسؤال:
- لماذا يكره زيدان الأمويين وقد شيَّدوا حضارة للمسلمين في منطقتنا العربية وفي الاندلس، ومنهم تعلمت أوروبا؟!
- لماذا يكره العباسيين وقد كانت الأمة في زمانهم في عزٍّ ومجدٍ؟!
- لماذا يكره السلفيين (الذين ردوا أباطيل شيوخه؛ وهم يزعمون حب مَن كذبوا النبي -صلى الله عليه وسلم-)؟!
- لماذا يكره كلَّ مَن يوجِّه له نصيحة؟!
- أليس كل هؤلاء داخلون في قاعدة: "الحب" التي أصلها ابن عربي والجيلي أم ماذا؟!
وقفة بعد الأخيرة:
هذه المقالة هي جزء من سلسلة فضح أفكار مؤسسة تكوين، وبينما تعد للنشر خَرَج علينا يوسف زيدان بخبر استقالته من مؤسسة تكوين (ومرة أخرى يفشل الحب الصوفي في التعايش السلمي حتى في هذا النطاق الضيق!).
وترددتُ: هل ما زال عنوان المقالة وموقعها في سلسلة الرد على تكوين قائمًا؟ وانتهيت إلى أنها:
- من جهة: فيها الرد على فكر الدكتور يوسف زيدان، وهو ما زال على أفكاره -فيما نعلم-، بل قرار استقالته تضمَّن تهديدًا أنه سيستمر في الكتابة.
- ومن جهة أخرى: فقد قدمنا أن الأمة تبرأت من أقوال الحلول والاتحاد، كما حكى زيدان نفسه، وإن بقي بعضهم يثني على ابن عربي أو غيره من باب أنه لم يقل بهذه الكفريات، حتى جاء ماسينون وكلسون، وغيرهما من المستشرقين، فأعادوا نشر المخطوطات وتحقيق وشرح المؤلفات ليؤكدوا أن الحلاج حلولي، وأنه صوت النصرانية في الإسلام، وأن ابن عربي وجلال الدين الرومي، وغيرهما، يقولون بوحدة الوجود، وينصون على أنهم يجب أن يعملوا على نصر القائلين بوحدة الوجود في العالم الإسلامي طلبًا لنتائج هذا القول من قبول كل صور الباطل.
وقد قدَّمنا دلائل تبيِّن أن "تكوين" واجهة لنشر فكر المستشرقين، فاستقالة زيدان لا تغير من هذا التوجه.
نسأل الله أن يرزقهم جميعًا التوبة قبل الممات.
وبالتالي فقد آثرتُ نشر المقالة بذات عنوانها، وفي ذات سلسلة الرد على تكوين؛ تحذيرًا للجميع مَن هذه الشعبذات التي تمثِّل خطورة على الدِّين، وعلى الأمن القومي، وتفتح الباب للصهيونية والهندوسية والبوذية.
نسأل الله أن يحفظ مصرنا من عبث العابثين، إنه حسبنا ونعم الوكيل.
