شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مؤسسة تكوين الفكر العربي (6) "يوسف زيدان" يقدِّم لنا دينًا يدافع عن إبليس.. وثورة تستلهم اغتيالات الحشاشين!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

قال زيدان حاكيًا عن الجيلي: "واليهود وإن كانوا من عباد الله على الحقيقة؛ إلا أنهم في ظاهر الأمر ضالون؛ لأنهم أخفوا بعضًا من أصول الشريعة التي نزلت عليهم، حين جاء موسى بالألواح، واستبقوا فقط ما اعتقدوا أنه في مصلحتهم، فكانوا هم الضالين بظواهرهم، المسبحين لله ببواطنهم وحقيقة ديانتهم! وكذلك المسيحيون الذين أخطأوا بقولهم: اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ، ولو قالوا: إن المسيح هو الله لما كانوا مخطئين في الظاهر؛ لأن الله المحيط والمتجلي بكل شيء، ولا يمكن لشيء واحد أن يحده، فلا يصح أن يقال: إن الله هو كذا أو كذا؛ لأن الله -تعالى- هو كل شيء، وكل شيء يدل عليه، لكنه لا يحيط به" (دوامات التدين، ص 245) .

من شعبذات زيدان: كتب اللاهوت العربي والدعوة إلى الدين الإبراهيمي:

يحدثنا زيدان عن اليهودية والنصرانية والإسلام في سياق تطوري، يوحي بأنها ليست وحيًا من عند الله، ونحن نؤمن بأن التوراة والإنجيل أصلهما من عند الله، ولكن لحقهما التحريف، وأما القرآن فتعهد الله بحفظه، فقال: ( ‌إِنَّا ‌نَحْنُ ‌نَزَّلْنَا ‌الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر: 9 ) .

وبالتالي حينما يحدثنا زيدان عن النصوص التي في التوراة والتي فيها الأمر بقتل الأطفال، وبقر بطون الحوامل؛ فإننا نوقن أن هذا ليس من عند الله.

وعندما يحدثنا أن النصرانية كانت ديانة المحبة، ولكنها استعملت العنف مع الرافضين لها من الوثنيين كما في روايته عزازيل (والتي يكثر من التشكي لردود الكنيسة عليه بشأنها فيما ذكره فيها من قتل الكنيسة للفيلسوفة هيباتيا)، ولكنه هنا يحدثنا عن تاريخ يعلمه الجميع حتى بين الكاثوليك والأرثوذكس إلى أن نوَّر الله مصر بالإسلام، وأعزها بعمرو بن العاص -رضي الله عنه- الذي أمَّن الأرثوذكس على دينهم.

(في خِضَم نقدي اللاذع لشعبذات يوسف زيدان لا يفوتني أن أثبت أنه يدافع ويثني على عمرو بن العاص -رضي الله عنه-، وإن كان عمومًا موقفه من عمرو بن العاص لا يتفق مع سائر توجهاته الفكرية).

لكن الخطورة الكبرى أن يدس يوسف زيدان عبارة: (ثم جاء الإسلام فكان نفس توجه العنف) إلى آخره، وتبرير هذا أن هذا هو مزاج المنطقة العربية، وفي هذا إيماء شديد أن الاسلام ليس وحيًا من عند الله!

ويخلص من هذا: أن اليهودية والنصرانية والإسلام حتى في قضية التوحيد ما هي إلا تجليات لديانة واحدة يراها ديانة جيدة؛ لولا ما فيها من عنف! وبالتالي فهو يريد الدعوة إلى هذه الديانة الموحدة على أن تتضمن هذه الدعوة مراجعة الموقف من العنف، وبالتالي فكتاب اللاهوت العربي يمثل أسوأ صور الدعوة إلى الدين الإبراهيمي، وأكثرها شعبذة.

شعبذة وثنية حلولية في كتابه: (فقه الثورة):

كَتَب يوسف زيدان الكثير من المقالات على امتداد سنوات الثورة، ضمنها الكتب الأربعة التي تقدمت الإشارة إليها، وهي في جملتها رافضة لكل شيء، وبعد 30-6 يبدو أنه أراد أن يرفع حدة انتقاداته، ولكن دون مساءلة، فلجأ إلى سلسلة مقالات عن عابد يناجي ربه، لكنه اختار هذا الرب مرة الإله حتحور -أحد آلهة قدماء المصريين-، ومرة أخرى اختار أن يتحدث بلسان اللاهوت والناسوت -كالحلاج-، وهكذا في صورٍ من العبث بالدين والعقيدة، والتخليط بين الإسلام والفلسفات الإلحادية والديانات المحرفة، بل والوثنيات عبر التاريخ!

شعبذة أن المسجد الأقصى الذي أسري برسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليه في الطائف:

قال الله -تعالى-: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الإسراء: 1) ، في هذه الآية يذكر الله -عز وجل- معجزة لنبينا -صلى الله عليه وسلم-، ونص على أنه آية من آيات الله، وهي الإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

والعرب المخاطَبون بهذه الآيات كان معظمهم آنذاك كافرًا، ولكنهم عندهم عقول يفهمون بها الخطاب، وقد فهموا من تسمية الله البيت الحرام بالمسجد الحرام، أن القرآن يسمي مكان العبادة المنسوب للأنبياء مسجدًا، ولم يكن يُعلم على وجه الأرض حينها أماكن بناها أنبياء للعبادة إلا هذين المكانين، وطالما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يعيش في كنف المسجد الحرام، فإذًا فالمسجد البعيد لا يبقى إلا أن يكون المسجد الآخر الذي في بيت المقدس.

وأما التعبير بأفعل التفضيل "الأقصى" ففيها نكتة لطيفة أشار إليها الطاهر بن عاشور -رحمه الله- في التحرير والتنوير، فقال: "المسجد الأقصى هو المسجد المعروف ببيت المقدس الكائن بإيلياء، وهو المسجد الذي بناه سليمان -عليه الصلاة والسلام-. والأقصى، أي: الأبعد. والمراد بعده عن مكة، بقرينة جعله نهاية الإسراء من المسجد الحرام، وهو وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على معجزة هذا الإسراء، وكونه خارقًا للعادة؛ لكونه قطع مسافة طويلة في بعض ليلة، وبهذا الوصف الوارد له في القرآن صار مجموع الوصف والموصوف عَلَمًا بالغلبة على مسجد بيت المقدس، كما كان المسجد الحرام عَلَمًا بالغلبة على مسجد مكة.

وأحسب أن هذا العلم له من مبتكرات القرآن، فلم يكن العرب يصفونه بهذا الوصف، ولكنهم لما سمعوا هذه الآية فهموا المراد منه أنه مسجد إيلياء، ولم يكن مسجد لدين إلهي غيرهما يومئذٍ.

وفي هذا الوصف بصيغة التفضيل باعتبار أصل وضعها معجزة خفية من معجزات القرآن إيماءً إلى أنه سيكون بين المسجدين مسجد عظيم هو مسجد طيبة الذي هو قَصِيٌّ عن المسجد الحرام، فيكون مسجد بيت المقدس أقصى منه حينئذٍ، فتكون الآية مشيرة إلى جميع المساجد الثلاثة المفضلة في الإسلام على جميع المساجد الإسلامية، والتي بيَّنها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا ‌تُشَدُّ ‌الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي ) (متفق عليه) .

وفائدة ذكر مبدأ الإسراء ونهايته بقوله: (مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) أمران:

الصفحة السابقة الصفحة التالية