شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (41) التشبه بالكفار (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .

-‏ التشبه بالكفار من الكبائر العظام، والمنكرات الجسام، وقد جاء فيه الوعيد الشديد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ تَشَبَّهَ ‏بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، ‏وقال: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، قال الطيبي -رحمه الله-: "‏هذا عام في الخَلق والخُلُق والشعار" (مرقاة المفاتيح) (1) .‏

‏-‏ المقصود بالتشبه: قال المناوي والعلقمي: "أَيْ: تَزَيَّى فِي ظَاهِره بِزِيِّهِمْ، وَسَارَ بِسِيرَتِهِمْ وَهَدْيهمْ فِي مَلْبَسهمْ ‏وَبَعْض أَفْعَالهمْ". ‏

‏-‏ والتشبه بالكفار على قسمين ‎ :‎

‏-‏ القسم الأول: التشبه المحرَّم: وهو فعل ما هو من خصائص دين الكفار مع علمه بذلك، ولم يرد في شرعنا.. ‏فهذا محرّم، وقد يكون من الكبائر، بل إن بعضه يصير كفرًا بحسب الأدلة؛ ‎ سواء فعله الشخص موافقة للكفار، ‏أو لشهوة، أو شبهة تخيل إليه أن فعله نافع في الدنيا والآخرة ‎ .‎

‏-‏ القسم الثاني: التشبه الجائز: وهو فعل عمل ليس مأخوذًا عن الكفار في الأصل، لكن الكفار يفعلونه أيضًا؛ فهذا ‏ليس فيه محذور المشابهة، لكن قد تفوت فيه منفعة المخالفة ‎ .‎

‏-‏ وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ سَيَتَشَبَّهُ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْأَعَاجِمِ، وَيَحْذُونَ حَذْوَهُمْ: قَالَ ‏-صلى الله عليه وسلم-: ( لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ )، قُلْنَا: يا رَسُولَ ‏اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: ( فَمَنْ؟ ) (متفق عليه) (2)‏ .

‏ (1)‏ وجوه النهي عن التشبه بالكفار:‏

أولًا: لأن التشبه بغير المسلمين قد يفضي إلى مصيرهم في الدنيا والآخرة: قال الله -تعالى-: ( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى ‏الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ) (هود: 113) ، وفي حديث أبي واقد ‏الليثي -رضي الله عنه- قال: إنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لمَّا خرَجَ إلى حنين، مَرَّ بشجرةٍ للمشركينَ يُقالُ لها: ذاتُ أَنْواطٍ، ‏يُعلِّقونَ عليها أسلحتَهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، اجعَلْ لنا ذاتَ أَنْواطٍ كما لهم ذاتُ أَنْواطٍ، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( سُبحانَ ‏اللهِ! هذا كما قال قَومُ موسى: ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) (الأعراف: 138) ، والذي نَفْسي بيدِه، لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ ‏مَن كان قَبلَكم ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .‏

ثانيًا: التشبه بهم ترك لآثار المهتدين "الأنبياء": قال -تعالى-: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (الأنعام: 90 ‎ ‏) .‏

ثالثًا: التشبه الظاهري قد يفضي إلى التوافق الباطني "القلبي": قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "اعْتَبِرُوا النَّاسَ ‏بِأَخْدَانِهِمْ -أي: إخوانهم-".‏ ‎

وقديمًا قيل: ‏

عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فـَـكُـلُّ قـَرِيـنٍ بِـالـمُـقَـارِنِ يَـقـْـتَـدِي

رابعًا: المحافظة على الهوية الإسلامية والشخصية المتميزة: قال العلماء: ولو اتبع كل جيش من الصحابة -‏رضي الله عنهم- عادات أهل البلاد التي فتحوها وأزياءهم لذابت الشخصية المسلمة، لكن كان المسلمون على ‏قلتهم يجذبون الأمم إلى اتباعهم حتى انتشر الإسلام ولغته سريعًا.‏

‏ (2)‏ المقصود بالهوية الإسلامية: ‏

‏ -‏ الهوية الإسلامية هي: كل ما يميز المسلمين عن غيرهم من الأمم الأخرى، وقوام هويتهم هو (الإسلام وعقيدته ‏وشريعته، وآدابه ولغته، وتاريخه وحضارته).‏

‏-‏ لقد جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإسلام دينًا كاملًا: قال الله -تعالى-: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ ‏لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة: 3 ‎ ‏) .‏

‏-‏ وأمر الله أهل الإسلام ألا يحيدوا عن طريقته، وأن يسألوا لزوم طريقته، وإلا ضلوا: قال -تعالى-: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ ‏الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) (الفاتحة: 6، 7) .

‏-‏ وأمرهم أن يتميزوا عن الأمم الأخرى بمنهجهم وهويتهم الوسطية: قال الله -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ‏لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (البقرة: 143) .

‏ (3)‏ محافظة النبي -صلى الله عليه وسلم- على الهوية الإسلامية:‏

‏ -‏ رفضه العروض القرشية لجعل قضية الدين خليط بين الإسلام والوثنية: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا ‏تَعْبُدُونَ . وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ . وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ ‏وَلِيَ دِينِ ) (سورة الكافرون) .‏

‏-‏ رفضه -صلى الله عليه وسلم- فصل الدين عن الحياة: (العروض القرشية بأن يتعبد ويصوم في بيته، ولا يتعرض لحياتهم بتعاليم ‏الإسلام).‏

‏-‏ هجرته -صلى الله عليه وسلم- لإقامة المجتمع والشخصية ذات الهوية المتميزة: قال الله -تعالى-: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي ‏وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) (العنكبوت: 56) .

‏-‏ بناؤه -صلى الله عليه وسلم- الشخصية المسلمة المتبرئة من الشرك وأهله وأحوالهم، والتحذير من مشابهتهم: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ تَشَبَّهَ ‏بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، ‏وقال: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .‏

الصفحة التالية