الصوفية من الزهد إلى الحلول إلى الاتحاد إلى وحدة الوجود ودور المستشرقين في إحياء هذه الأقوال الكفرية (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
مجمل تاريخ التصوف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
نستعرض في هذه السلسلة بإيجاز شديد، تاريخ التصوف والأطوار التي مرَّ بها:
أولًا: هل الزهد ومجاهدة النفس فرع من فروع العلوم الشرعية؟ وهل أغفله أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم؟
الإجابة الصحيحة: أن كل ما ورد في الكتاب والسنة هو من دين الله -عز وجل-، وكله يُرجَع فيه إلى الكتاب والسنة، وكانت الأمة تتلقى القرآن؛ تلاوة وتفسيرًا، جيلًا عن جيل، وأما الحديث فتصدَّى له حملة الحديث، فبذلوا أعمارهم في جمعه، وقدَّموا نصوص هذه الأحاديث لمن فتح الله عليه في باب الفهم والفقه في دين الله.
والفقه في اصطلاح الجيل الأول، كان يعنى في الزمن الأول: معرفة دين الله كله، فقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) (متفق عليه) ، ليس قاصرًا على الأحكام العملية، بل دخول مسائل الاعتقاد والسلوك فيه قد يكون أولى؛ ولذلك سمَّى الإمام أبو حنيفة كتابه في الاعتقاد بـ"الفقه الأكبر".
بيد أن مسائل العبادات والمعاملات كثيرة الفروع من جهة الواقع، فأداء العبادة يشمل أركانًا وواجبات ومستحبات، وبالتالي فقد يكون تعلم كيفية العبادة في غاية اليسر، ولكن تتفرع كثير من المسائل بناءً على مَن نسِيَ أو جهل، أو أخطأ وتكاسل، واختلاف حكم كل حالة حسب اختلاف الجزء الذي أصابه الخلل من العبادة، وأما المعاملات؛ فحدِّث ولا حرج عن كثرة ما يقع للناس من قضايا.
ومن هنا تسرب لدى البعض تصور؛ أن الأمة في مراحلها المبكرة كانت عنايتها بالعبادات التي تؤدَّى بالجوارح أعلى من عبادات القلب، وهذا أمر ليس صحيحًا، فكثرة التفريع والفتاوى في عبادات الظاهر كان مرجعه إلى كثرة ما يقع للناس فيها من مشكلات، بينما كان الكلام على إصلاح القلوب وعبادات الباطن يتم تداوله في تفسير القرآن، وشرح السنة، ومواعظ الواعظين.
مدرسة الزهد المنضبط:
طالما وجدت ظاهرة استنزاف طاقة من عرف بالعلم والاجتهاد في أحكام عبادات ومعاملات الجوارح، أو ما عُرِف لاحقًا باسم: "الفقه"، فكان من الطبيعي أن يوجد مَن يحاول أن يعطي في دروسه ومواعظه اهتمامًا أكبر بأعمال القلوب، وبأثرها على الظاهر؛ لا سيما في الزهد الذي ربما لوحظ عدول عنه بعد فتح الأمصار، واستقرار دولة الإسلام، وكثرة الأموال.
وكان من الطبيعي أن يتفاعل العامة مع هذا النوع، وأن تتفرع فها الأسئلة كما تفرعت في عبادات الظاهر، ومِن ثَمَّ أجاب عنها من عُرِف بالاشتغال بالزهد، وإلى هذه اللحظة لا يوجد إشكال.
ويمكن أن يقال: إن أبرز مثال على هذا الاهتمام المنضبط بالزهد، تمثَّل في طريقة الحسن البصري -رحمه الله- وتلامذته.
مدرسة الغلو في العبادة وتعذيب الجسد:
تعذيب الجسد أو الترفع عن حاجاته الفطرية، وقد اعتبرته بعض الديانات الوثنية القديمة نوعًا من الرقي الروحي، وكذلك وقع في الأمم السابقة اعتبار هذه المسالك نوعًا من العبادة التي يُتَقرَّب بها إلى الله، كما قال -تعالى-: ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) (الحديد: 27) .
وقد حدث ذات هذا الانحراف في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: ( أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ -أعرض- عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) (متفق عليه) .
وكان لهذا التوجيه النبوي أثره في عصمة الأمة من هذا الغلو لما وقع فيها، إلى أن وجد ضالته مرة أخرى فيمن جمع بين الرغبة في الزهد وبين البُعد عن تلقي العلم عن فقهاء الأمة -أو قل عن علمائها-، ولا يبعد أثر الاحتكاك بالنصارى أو بمن أسلم من الفُرس، وكان ما زال متأثرًا بما تربَّى عليه.
تنبيه حول الروافد غير الإسلامية للتصوف:
قضية الروافد غير الإسلامية هي إحدى أهم النقاط التي يتعرض لها كل باحث في تاريخ التصوف؛ سواء كان من مؤيديه أو ممَّن يحذر من بدعه، ويكاد يوجد اتفاق على وجود تشابه كبير جدًّا بين التجارب الصوفية؛ سواء التي نشأت كتجارب فلسفية صوفية أو منتسبة إلى الديانات الوثنية القديمة، أو المنتسبة للديانات المحرفة من اليهودية والنصرانية.
والمدافعون عن التصوف: كالتفتازاني -وغيره-، يقولون: إن هذا التشابه لا يدل على أن المتصوفة المسلمين نقلوا تصوفهم أو أخذوه عن الغير.
ولا نريد في هذه المقالة أن ننشغل كثيرًا بهذه الجزئية، ولكن يكفي إثبات هذا التشابه، وأن الصوفية المنتسبين إلى الإسلام كرَّروا بدعًا ابتدعها مَن سبقهم، وذمهم الله على ابتداعها، ومِن ثَمَّ يمكننا أن نقول بوضوح: إن تعذيب الجسد حيلة شيطانية خدع الشيطان بها كثيرًا من الأمم (ولا يهم هنا: هل كانت وسوسته عن طريق شياطين الجن وحدهم أم شاركهم فيها شياطين من الإنس؟).
والأخطر كما سيأتي: أن هذا الانحراف لم يكن نهاية طريق الانحراف، بل كان بداية لانحرافاتٍ أشد ظلامًا؛ قال شيخ الإسلام عنها إنها أكثر كفرًا وفسادًا من كفر اليهود والنصارى.
الفناء "المصطلح الوافد":
