الصوفية من الزهد إلى الحلول إلى الاتحاد إلى وحدة الوجود ودور المستشرقين في إحياء هذه الأقوال الكفرية (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
المسلم يجب عليه قراءة الفاتحة سبع عشرة مرة -على الأقل- في اليوم والليلة، هي عدد ركعات الصلوات المفروضة، وقلب الفاتحة قوله -تعالى-: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )، فالقرآن يعلمنا أننا عبيدٌ لله، وكما ترى لكي تتصور هذا؛ فلا بد من عبدٍ وربٍّ، ولا يمكن لعاقل أن يتصور ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) إلا بأن يستحضر الذات الإلهية التي يخاطبها، ويستحضر نفسه التي يتحدث باسمها.
ولكن ماذا عن باقي الخلق؟
كلما (تناسيتهم)؛ كنتَ أصدق تفاعلًا وتأثرًا، وتحقيقًا لـ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ).
وماذا عن الأسباب؟
كلما تناسيتها وقت دعائك وابتهالك؛ كنتَ أكثر تحقيقًا لـ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ).
وتناسي الشيء أو عدم الالتفات إليه مع إدراك وجوده شيء، ومحاولة محو إدراك وجوده شيء آخر؛ فإن محو إدراك الموجودات من الذهن عملية تشبه عملية السكر (والعجيب: أن الصوفية يعبِّرون عنها بهذا اللفظ فعلًا، ثم ينقمون على مَن اعتبر هذا من جنس سكر المسكرات؛ لكونه يشترك معها في تغييب العقل، أو تغييب أحكامه).
ويتضح هذا بالسؤال التالي: هل أنت عبد وحدك مع الحق إلهك؟
لا، بل يكمل المشهد بصلاة الجماعة، والكلام بضمير الجميع ( نَعْبُدُ )، ويكمل برؤية المؤمنين عبر الزمان والمكان ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )، ويكمل برؤية المنحرفين؛ براءة من انحرافهم فتطلب طريقًا مغايرًا لطريقهم ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ).
فالإخلاص والتوكل، والاستعانة والإنابة، أعمال قلبية لا تتم إلا برؤية المشهد كما هو، بلا غياب شيء منه، بل يبقى الإدراك كما هو، ولكن يمتلأ القلب تقربًا لله، وتوكلًا عليه، واستعانة به، وأما عدم ملاحظة مدح الخلق وذمهم، وعدم اعتماد القلب على ما في أيديهم، فلها مسمياتها القرآنية والنبوية، ولها أحوالها العقلية والقلبية، تستحضر فيها الصورة كاملة، ويوجه القلب إلى ما ينبغي أن يوجه إليه.
ولكن ماذا لو سُمِّي هذا القَدْر المنضبط شرعًا فناءً؟
ولماذا لا يكون للزهاد والعباد مصطلحاتهم، كما اصطلح الفقهاء على تسمية الأحكام، وتقسيمها إلى: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، وركن، وشرط، و...؟
قد تكون الإجابة المتعجلة هي: "لا مشاحة في الاصطلاح"، ولكن تجربة الأمة مع انحرافات الصوفية تثبت أن الأولى -إن لم يكن الواجب- في هذه الأبواب هو إعمال قاعدة: "سد الذرائع".
الفناء الصوفي القفزة الأولى نحو هاوية الانحرافات الكبرى:
لما غلب مصطلح الفناء ظن البعض أن أفضل أحواله أن يذكر ربه حتى لا يرى إلا ربه، ويسمونه: "الفناء عن شهود السوى"، فيذهل عن كل الخلق، بل عن نفسه، ويستحضر عظمة ربه، وقد تقدَّم أن الفاتحة "السبع المثاني" نموذج يبيِّن لنا أن التدبر الصحيح للقرآن ينافي حالة الفناء تلك.
فـفيها: "الحمد لله" على أسمائه وصفاته، وعلى نعمه وآلائه، فتحتاج إلى تذكر تلك النعم.
وهو "رب العالمين"، فلا يتصور ذلك إلا باستحضار الخلق، وأن الحق هو ربهم.
وهو "مالك يوم الدين" يوم الحساب، فلا بد من استحضار الخلق الذين سيُحاسبون.
ولكن حتى مَن قال إنه يفنى مع خالقه دون أن يتكلم بما لا يجوز شرعًا، فما زال الأمر محتملًا.
حكم مَن اهتم بالزهد -ولو مع شيء من الغلو- أو سمَّى الإخلاص والتوكل فناءً، أو كان غرضه من الذِّكر أن يملأ ذكر الرحمن قلبه وأن يتناسى الكل حتى نفسه:
هؤلاء قال في شأنهم شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخُ لَمْ يَخْرُجُوا فِي الْأُصُولِ الْكِبَارِ عَنْ أُصُولِ (أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ)، بَلْ كَانَ لَهُمْ مِنْ التَّرْغِيبِ فِي أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالدُّعَاءِ إلَيْهَا، وَالْحِرْصِ عَلَى نَشْرِهَا، وَمُنَابَذَةِ مَنْ خَالَفَهَا، مَعَ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ مَا رَفَعَ اللَّهُ بِهِ أَقْدَارَهُمْ، وَأَعْلَى مَنَارَهُمْ، وَغَالِبُ مَا يَقُولُونَهُ فِي أُصُولِهَا الْكِبَارِ جَيِّدٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يُوجَدَ فِي كَلَامِهِمْ، وَكَلَامِ نُظَرَائِهِمْ، مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَرْجُوحَةِ، وَالدَّلَائِلِ الضَّعِيفَةِ؛ كَأَحَادِيثَ لَا تَثْبُتُ، وَمَقَايِيسُ لَا تَطَّرِدُ، مَعَ مَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْبَصِيرَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (مجموع الفتاوى) .
القفزة الثانية (ظاهرة الشطح الصوفي): الغلو في الحب والفناء، ومِن ثَمَّ التكلُّم عن الله بضمير المتكلم:
حدث لدى بعض العُبَّاد غلو في عبادة محبة الله -تعالى-، فقال قائلهم: "اللهم إني أعبدك ليس خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، ولكنك إله تستحق العبادة"، وهي عبارة تردد كثيرًا في كتب الصوفية، وهم ينسبونها إلى رابعة العدوية، والأقرب براءتها منها؛ لأننا نعلم أن الصوفية بحثًا عن علوِّ السند يحاولون نسبة بدعهم إلى أجيال سابقة.
فادعوا أن علمهم منقول بالسند عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وكل منهم يختلق سندًا ينتهي إليه -رضي الله عنه-، ويزعمون أنه مسلسل بتسليم كل شيخ خرقة لتلميذه، وهي أسانيد فيها ما فيها من الخلل؛ على أنها لو صحَّت لما نفعتهم، فلا يوجد في الدين أن يقول قائل: إنه تلقى علومه بسندٍ عارٍ من أي متن ينتهي بقول أو فعل أو تقرير للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وبل ولا يذكر فيه شيء من قول أو فعل أو تقرير عن صحابي أو تابعي أو أي أحد!
ووجود المحدثين وضبط الروايات عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة والتابعين، جعلهم لا يجرؤون على تزييف نسبة الأقوال إلا لمن دون ذلك، حتى انتسابهم إلى الحسن البصري وإن شجعهم عليه اهتمامه بالزهد فلم يقدروا معه أن ينسبوا إليه من أقوالهم وقصصهم، ولكن نسبوا إلى رابعة العدوية، وإلى إبراهيم بن أدهم، وغيرهما -كما سيأتي بإذن الله-.
