شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

يوم عاشوراء في القرآن الكريم (1-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد شهد التاريخ البشري أيامًا خالدة، كانت فيها نعم وعبر من الله -تعالى- لعباده؛ أيامًا بيَّن الشرع فضلها، وحثَّ على الاعتناء بها، وشكر الله -تعالى- عليها، وشرع في بعضها قربات وعبادات.

ومن هذه الأيام: يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم، الذي نجَّى فيه الله -تعالى- بني إسرائيل؛ أتباع موسى -عليه السلام-، وهم أهل الإيمان في زمانهم، وأهلك فيه فرعون وجنوده، على مرأى من الجميع، في واحدة من المعجزات التي لا مثيل لها.

وقد أشار القرآن الكريم إلى الأحداث التي وقعت في هذا اليوم في العديد من آياته، كما بيَّنت السنة النبوية فضل هذا اليوم، و فضل الصيام فيه، بما يوجب علينا تأمل هذه الآيات والأحاديث والاعتبار بها عملًا بقوله -تعالى- لموسى -عليه السلام-: ( ‌وَذَكِّرْهُمْ ‌بِأَيَّامِ ‌اللَّهِ ) (إبراهيم:5) .

قال الأصفهاني: "فإضافة الأيام إلى الله -تعالى- تشريفًا لأمرها لما أفاض الله -تعالى- عليهم من نعمه فيها" (مفردات ألفاظ القرآن) .

قال ابن كثير في قوله -تعالى-: ( ‌وَلَقَدْ ‌أَرْسَلْنَا ‌مُوسَى ‌بِآيَاتِنَا ‌أَنْ ‌أَخْرِجْ ‌قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) (إبراهيم:5) : "( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ) أي: بأياديه ونعمه عليهم في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره، وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه البحر، وتظليله إياهم الغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى، إلى غير ذلك من النعم. قال ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد".

وقال ابن كثير: "وقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ ) أي: إن فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين لعبرة ( لِكُلِّ صَبَّارٍ ) أي: في الضراء، ( شَكُورٍ ) أي: في السراء. كما قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر. وكذا جاء في الصحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ ‌شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ ‌أَصَابَتْهُ ‌ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) (رواه مسلم) .

وفي تذكير بني إسرائيل بنعمة إنجاء الله -تعالى- لهم وإغراق فرعون وملئه، قال -تعالى-: ( ‌وَإِذْ ‌نَجَّيْنَاكُمْ ‌مِنْ ‌آلِ ‌فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) (البقرة: 49، 50) .

وقال -تعالى-: ( ‌وَإِذْ ‌قَالَ ‌مُوسَى ‌لِقَوْمِهِ ‌اذْكُرُوا ‌نِعْمَةَ ‌اللَّهِ ‌عَلَيْكُمْ ‌إِذْ ‌أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) (إبراهيم: 6) .

يوم عاشوراء في السنة النبوية:

وردت أحاديث عديدة في شأن يوم عاشوراء وفضله، وفي الحث على صيامه، وبيان ثواب الصوم فيه، فمن ذلك: في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قَدِمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا، قَالُوا: هَذَا ‌يَوْمٌ ‌صَالِحٌ، هَذَا يَوْمُ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: ( فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ ) فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.

وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ، وَتَتَّخِذُهُ عِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌صُومُوهُ ‌أَنْتُمْ ).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ -إِنْ شَاءَ اللهُ- صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ )، قَالَ: ‌فَلَمْ ‌يَأْتِ ‌الْعَامُ ‌الْمُقْبِلُ ‌حَتَّى ‌تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-. (رواه مسلم) . وفي لفظ: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَئِنْ ‌بَقِيتُ ‌إِلَى ‌قَابِلٍ، ‌لَأَصُومَنَّ ‌التَّاسِعَ ) يعني مع عاشوراء. (رواه مسلم) .

وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَصُومُهُ فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ، قَالَ: ( ‌مَنْ ‌شَاءَ ‌صَامَهُ، ‌وَمَنْ ‌شَاءَ ‌تَرَكَهُ ). ومعلوم أن فرض صيام رمضان كان في السنة الثانية من الهجرة، وأن قدومه -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة كان في ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة.

وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( هَذَا يَوْمُ ‌عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ ‌فَلْيُفْطِرْ ). ومعلوم أن إسلام معاوية رضي الله عنه كان متأخرًا.

وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( صِيَامُ يَوْمِ ‌عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ ‌عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ ) (رواه مسلم) .

الصفحة التالية