شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

يوم عاشوراء في القرآن الكريم (1-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- عن هديه -صلى الله عليه وسلم- في صيام يوم عاشوراء: "وأما صيام يوم عاشوراء فإنه -صلى الله عليه وسلم- كان يتحرى صومه على سائر الأيام، ولما قدم المدينة وجد اليهود تصومه وتعظمه، فقال: نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه، وذلك قبل فرض رمضان، فلما فرض رمضان، قال: من شاء صامه ومن شاء تركه" (زاد المعاد في هدي خير العباد) .

وقد عقد ابن القيم بحثًا مفيدًا مختصرًا للرد حول ما قد يستشكل على البعض في الجمع بين تلك الأحاديث الواردة في شأن يوم عاشوراء في الجزء الأول من (زاد المعاد) ص 164 إلى ص 168 فليراجع هناك.

قال الشوكاني -رحمه الله- عن صوم يوم عاشوراء: "ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه ليس الآن بفرض، والإجماع على أنه مستحب. وكان ابن عمر يكره قصده بالصيام، ثم انعقد الإجماع بعده على الاستحباب) (نيل الأوطار) .

بداية القصة:

لما تولى يوسف -عيه السلام- أمر خزائن مصر في فترة المجاعة التي شهدتها، فأحسن إدارتها أرسل إلى أبيه يعقوب -عليه السلام- وأهله في فلسطين يدعوهم للقدوم إلى مصر حيث أكرم وفادتهم وأقاموا بها، فاستقرت الجماعة العبرانية في مصر؛ وقع ذلك في عهد حكم الهكسوس لمصر، وكانت مصر ترتبط تاريخيًّا بفلسطين من خلال التجارة والحملات الاستكشافية؛ لذا فكثيرًا ما قامت مصر بفرض سيطرتها عليها، كما كان كثير من قبائل البدو يلجأون إلى مصر فيدخلونها فرارًا من الجفاف أو من المجاعة، ثم يخرجون منها بعد ذلك، ومن هذه القبائل كانت القبائل العبرانية؛ ولهذا السبب أرسل يعقوب -عليه السلام- أولاده إلى مصر وقت المجاعة للتزود منها.

وقد تحولت عبر التاريخ بعض هذه الهجرات إلى مصر إلى صورة من التسلل ثم إلى غزو، حتى استطاع خليط آسيوي من عدة جماعات بشرية من الاستيلاء على السلطة في مصر، فيما عرف بحكم الهكسوس (ما بين 1786 - 1570 ق. م).

وفي زمن هؤلاء الهكسوس بلغت مكانة يوسف -عليه السلام- مكانة مرموقة ازدهر فيها أمر الجماعة العبرانية لبعض الوقت، ومع ظهور الدولة المصرية الحديثة (1570 - 1085 ق. م)، طرد المصريون بقيادة أحمس الهكسوس من مصر ثم طاردوهم حتى جنوب فلسطين. والهكسوس جماعة من الآسيويين تتكون من خليط من العموريين والكنعانيين، وبعض عناصر من الحوريين. وكلمة (هكسوس) معناها: (الملوك الرعاة).

وقد حكم الهكسوس مصر بعد أن تسللوا إليها خلال فترة طويلة فيها، تحول هذا التسلل إلى غزو، إلى أن تمكن بعدها أحمس من طردهم. ويبدو أن وجود الهكسوس في مصر سهَّل دخول العبرانيين إلى مصر واستقرارهم فيها (راجع في ذلك: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية د. عبد الوهاب المسيري - ط. دار الشروق - ط. الخامسة 2009 - المجلد الأول، ص 390 - 391) .

أما مصطلح (عبراني أو عبري) فله معانٍ كثيرة، والعبرانيون مجموعة سكانية استقرت في منطقة الهلال الخصيب وفلسطين، وهي من الشعوب التي جاء منها إبراهيم -عليه السلام- ونسله. وقد دخل العبرانيون أرض كنعان في ثلاث هجرات غير محددة، الهجرة الأولى من بلاد الرافدين في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وكانت معاصرة لانتشار الهكسوس، والهجرة الثانية كانت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. والهجرتان توافقان ما بين 2100 و1200 قبل الميلاد، والتي تمتد من هجرة إبراهيم -عليه السلام- من بلاد الرافدين حتى هجرة يوسف -عليه السلام- إلى مصر.

أما الهجرة الثالثة فكانت من مصر تجاه أرض كنعان بقيادة موسى -عليه السلام-، وذلك في النصف الثاني من القرن الثالث عشر قبل الميلاد كما يقول بعض المؤرخين، وبعد وفاة موسى -عليه السلام- كان الدخول العبراني إلى أرض كنعان (نحو 1250 ق. م)، وكانت كنعان وقتها تغص بالقبائل الكنعانية السامية. واسم كنعان يطلق علمًا على ما هو متعارف عليه باسم (فلسطين)، وأيضًا على قسم كبير من سوريا. وبعد صراع مع الكنعانيين اتخذ وجود العبرانيين شكل جيوب؛ إذ إن وجود الشعوب الأخرى في كنعان ظل مستمرًا على المستويين: الحضاري والثقافي.

وفي عصر اتحاد القبائل (عصر الملوك) تكونت المملكة العبرانية المتحدة في عهد داود وسليمان -عليهما السلام-، ولكنه كان اتحادًا مؤقتًا انحل سريعًا بعد وفاة سليمان -عليه السلام- (928 ق.م)، وانقسمت المملكة إلى مملكة شمالية وأخرى جنوبية، وظلت المملكتان في حالة حرب شبه دائمة حتى تم القضاء عليهما لينتهي بذلك تاريخ العبرانيين، ونظرًا لافتقار العبرانيين إلى هوية حضارية محددة ونتيجة لوجودهم في موقع إستراتيجي مهم كانوا دائمًا مطمعًا للقوى الكبرى، فقد تعرض العبرانيون لصدمات عديدة، أهمها: التهجير الآشوري (721 ق.م.) والتهجير البابلي (587 ق.م.)، كما فرضت عليهم الهيمنة الفارسية واليونانية والرومانية، وبعد التهجير البابلي كان انتشار الجماعات اليهودية في الأرض بعيدًا عن أرض كنعان (راجع المصدر السابق، ص 395، 396) .

الديانة عند قدماء المصريين:

اعتنق قدماء المصريين معتقدات وثنية كغيرهم من الشعوب الأخرى الوثنية المجاورة؛ إذ كانوا يعتقدون وجود كائنات فوق البشر تتجلى فيها قوى الطبيعة، تخيلوها واتخذوها معبودات لهم ثم مثلوها في أشكال وثنية، وظلوا على ذلك لقرون طويلة.

لم تعرف مصر القديمة في عهدها الأول وحدة دينية ومعبود واحد، إذ كان لكل مدينة أو بلدة أو قرية معبودها الخاص الذي ترى أنه يحمي حوزتها، وترفع إليه أكف الضراعة إذا دهمها خطر، يبتغون رضاه بتقديم القرابين له وإقامة الصلوات؛ يرون رضاه رحمة بالناس وغضبه نقمة عليهم! وكانت مهمة كل معبود محلية تنحصر في حماية بلدته ولا سلطان له خارج حدودها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية