شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

يوم عاشوراء في القرآن الكريم (1-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

وقد كان هذا الإله في نظر عابديه له قوة تفوق قوة البشر، يقدمون له العطايا والقرابين، ويعتقدون أنه يظهر لعباده في شكل واضح جلي، فكما أن روح الإنسان تأوي إلى جسده الظاهر كذلك يتخذ الإله له مأوى خاصًّا به يكون مظهرًا له، وجرت العادة أن يتخذ الإله عندهم سكنًا له من الأحجار أو الأشجار أو الحيوانات، والأخير كان الأكثر شيوعًا، فكانت المعبودة (حاتور) مثلًا تسكن شجرة الجميز، وكان إله الماء (سبك) الذي كان يعبد في جهة الفيوم يظهر على شكل التمساح، وظهر (آمون) معبود (طيبة) في كبش بقرون!

ويتضح مما سبق: أن ديانة قدماء المصريين كانت وثنية، غير أن أشباه هذه التخيلات لم تعدم أضرابها بين بعض الأمم المتمدينة الأخرى وقتها كالساميين واليونانيين القدماء الذين كانوا يعبدون الآلهة في شكل الأحجار والأشجار والحيوانات.

"وقد خطت هذه الوثنية خطوة أخرى في عهد الأسرة الثانية؛ إذ بدأ قدماء المصريين يمثلون معبوداتهم في شكل إنسان، فقد أخذ الإله يظهر بجسم إنسان ورأس الحيوان الذي يأوي إليه، وكان يرتدي الملابس التي كان يرتديها المصريون أنفسهم، وهي عبارة عن قميص قصير مدلى بذيل حيوان، أسوة بأزياء الملوك، وكذلك كان يحمل عنوانًا على قوته سيفًا وصولجانًا".

"وقد كان لهذا الانقلاب أثر ظاهر في تلك الوثنية القديمة، فتحولت الأوتاد المقدسة إلى أصنام ذات صور بشرية"، "وقد حدث مثل هذا الانقلاب حتى في الآلهة التي كانت من بادئ أمرها تظهر في شكل حيوانات، غير أن رأس المعبود بدلًا من أن تكون رأس إنسان بقيت رأس الحيوان المقدس لدى هذا الإله" (راجع كتاب: ديانة قدماء المصريين، تأليف البروفسور جورج استيندروف - أستاذ كرسي علوم المصريات بجامعة ليبتزج - وترجمة سليم حسن - ط. مكتبة الآداب - القاهرة - ط. 2014، ص 19 بتصرفٍ) .

وقد أظهر المصريون القدماء في صنع التماثيل وعمل النقوش البارزة كفاءة عجيبة، ومقدرة نادرة في تركيب رأس الحيوان على جسم الإنسان على سخافة هذه الأشكال، وخروجها عن حدِّ المعقول، "وفضلًا عن هذه الآلهة المحلية التي كان يتخيلها المصريون في ثوب حيوانات، كانت هناك حيوانات أخرى تعبد على أنها آلهة في ذاتها، ولها أماكن خاصة تقدس فيها".

ومن أقدم هذه الحيوانات المعبودة عجل (منفيس) المقدس إله هليوبوليس، وعجل (أبيس) معبود منف، "وقد روى المصريون أن ثانيهما (العجل أبيس) نشأ من قبضة نور نزلت من السماء في رحم بقرة، فحملته ثم وضعته ولم تحمل بعده قط" (راجع المصدر السابق، ص20 بتصرفٍ) .

"وقد جد الكهنة بتخيلاتهم وأبحاثهم اللاهوتية لوضع رابطة بين هذا العجل المبجل وبين (فتاح) معبود مدينة منف المحلي فقالوا عن العجل هو ابن فتاح، أو كما كانوا يعبرون عنه بلغتهم الدينية أنه مكرر حي من الإله (فتاح)" (المصدر السابق، ص 20) .

ومع الوقت صارت لبعض هذه المعبودات مزايا خاصة فامتد نفوذها وراء مناطقها، كما في المعبود (آمون) إله طيبة، حيث كان إله الخصب والنماء في مصر كلها، كما عزيت لبعض هذه المعبودات المحلية علاقات بقوى الطبيعة؛ خاصة الأجرام السماوية، خاصة الشمس أعظم الأجرام السماوية إضاءة، حتى كانت كل المعبودات في الأزمنة الأولى تمثل الشمس في شكل خاص به، وفي بعض الفترات (كان الملوك يعتبرون خلفاء هذه المعبودات في الأرض متقمصين أرواحهم) (المصدر السابق، ص 23) .

طغيان فرعون وتجبره:

بلغ طغيان فرعون أن ادعى الربوبية، ودعا الناس إلى عبادته وتأليهه، ونكل بكل من خالفه في ذلك، واستخف قومه من القبط (سكان مصر القديمة) فأطاعوه. واستعبد فرعون بني إسرائيل وبغى عليهم، فعمد إلى قتل الذكور من أطفالهم وترك الإناث، فكان ذلك ابتلاء لبني إسرائيل لا نظير له جعلهم مستضعفين مقهورين، فلما أرسل الله -تعالى- إلى فرعون رسوله موسى -عليه السلام- بالمعجزات والآيات الدالة على رسالته وصدق دعوته كذب وجحد وعاند وتمادى في الغي والضلالة، وقد أعماه خضوع قبط مصر له والتفاف بطانة السوء حوله.

وقد سجل القرآن الكريم ذلك في آيات عديدة، منها:

قوله -تعالى-: ( ‌هَلْ ‌أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى . إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى . اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى . وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى . فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى . فَكَذَّبَ وَعَصَى . ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى . فَحَشَرَ فَنَادَى . فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى . فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) (النازعات: 15-26) .

وقوله -عز وجل-: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ ‌مِنْ ‌إِلَهٍ ‌غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ . فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) (القصص: 38-40) .

وذكر -تعالى- عن فرعون أنه قال لموسى -عليه السلام- مهددًا: ( لَئِنِ ‌اتَّخَذْتَ ‌إِلَهًا ‌غَيْرِي ‌لَأَجْعَلَنَّكَ ‌مِنَ ‌الْمَسْجُونِينَ ) (الشعراء: 29) ، وقال -تعالى-: ( ‌ثُمَّ ‌أَرْسَلْنَا ‌مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ . إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ . فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ . فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ) (المؤمنون: 45-48) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية