المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين (3)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
(من تراث الدعوة)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنستكمل قصة موسى -عليه السلام -وبني إسرائيل، قال موسى -عليه السلام-: ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ . فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ).
موسى -عليه السلام- يقول للإسرائيلي الذي يُضرب مرة ثانية بعد ما نجا من المعركة الأولى: ( إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ )، قال القرطبي -رحمه الله-: "أي: لأنك تشاد مَن لا تطيقه"، ليس لأن الفرعوني على الحق وأن الفراعنة عادلون وبني إسرائيل على الباطل، لكن الغواية هنا لمآلات الأمور، ومع هذا كادت العاطفة أن تغلب موسى -عليه السلام- مرة ثانية: ( فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا )، هنا ظهر ما في باطن هذا الإسرائيلي الغوي المبين إذ ظن أن موسى -عليه السلام- يريد قتله؛ فاتهمه بتهم فظيعة، أنطقه الله ليرد موسى -عليه السلام- عن العاطفة وارتكاب نفس الخطأ الذي ارتكبه بالأمس "وأحيانًا يكون البطش بمجرم كافر خطأ".
( قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ )، ولم يكن هناك شاهد على القتل إلا هذا الرجل وموسى -عليه السلام-، فاعترف بسرعة وانهار واتهم ( إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ )، وسبحان الله! هل اطلع هو على إرادة موسى -عليه السلام- حتى يجزم بأنه ليست له إرادة إلا في الجبروت؟! فأي ظلم هذا؟! كيف يتدخل ويحكم على نيات الناس؟! وهل هو اطلع على القلوب؟! ثم ألم يكن ما فعله موسى -عليه السلام- لإنقاذه؟! فهو يشاد كل يوم مَن لا يقدر عليه ثم يتهم موسى -عليه السلام- بأنه جبار!
فلما سمع موسى -عليه السلام- ذلك تركهما وانصرف، ثم عقد الفراعنة مؤتمرًا لقتله: ( وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ . فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) (القص:20-22) ، فمكث موسى -عليه السلام- في مدين عشر سنوات، عشر سنوات كانت إعدادًا جديدًا لموسى -عليه السلام-، كانت حكمة زائدة، وعلمًا زائدًا، وسماعًا لكلام الله.
وقد يقول قائل: هذا في شريعة موسى -عليه السلام-، أما شريعتنا ففيها: ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ) (التوبة:36) ، وفيها: ( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟! قَالَ: ( تَمنعهُ من الظُّلم فَذَاك نصرك إِيَّاه )، شريعتنا فيها إيجابية، فيها أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، فيها أن تقول الحق وتجهر به ولا تخاف في الله لومة لائم.
والجواب: وهل هذه القواعد الكلية من نصرة المظلوم ونحوه تختلف فيها الشرائع؟!
أما القتال للمشركين كافة وأن نبدؤهم به، فهذه مرحلة من مراحل الجهاد شرع الله -عز وجل- عددًا من المراحل قبلها، وعند أئمة العلم ليست منسوخة كما بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من أن من كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، نعم هناك مرحلة تستعمل فيها: ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا )، و( صَبْرًا آلَ يَاسِر ).
وفي واقع الحال قد طبق هذا مرات... عندما سقطت الأندلس، وعندما سقطت بغداد، وعندما سقطت مدن كثيرة جدًّا تحت يد التتار، ولما سقطت القدس في يد الصليبيين وبقيت 92 عامًا تحت سلطانهم لم يكن المسجد الأقصى يُصلى فيه، فحالنا اليوم أهون من يوم سقوط القدس، سقطت القدس فقتل نحو 90 ألفًا يوم الدخول، وجعل على قبة الصخرة صليبٌ، وجعلوا المسجد مزبلة وإسطبلًا للحيوانات! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
فماذا صنع المسلمون؟!
أعدوا عُدة ظهرت نتيجتها بعد 92 عامًا؛ أعدوا جيلًا جديدًا بدل الجيل المنهزم الذي انهزم بالمعاصي والذنوب، والبدع والضلالات قبل أن ينهزم عسكريًّا؛ لذا لا بد حتى يتحقق النصر من إيجاد هذا الجيل الذي فيه العقيدة الصحيحة وفيه العبادة، وفيه الخلق الإسلامي، وفيه روح الطائفة المتعاونة فيما بينها على البر والتقوى، وفيه الشورى ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى:38) ؛ إذ ليس أن كل مَن يعنَّ له شيء يفعله، وليذهب الجميع إلى ما يشاءون، فكيف يكون لنا ثقل إذًا؟! وكيف نصل إلى وحدة الكلمة إن لم يتنازل القليل منا للكثير عن رأيه الذي هو في اجتهاد في النصوص والتي تطبق على واقع؟!
لذلك نقول: إن شريعة موسى -عليه السلام- فيها نظرة المظلوم، وفيها قول كلمة الحق، وألا يُخاف في الله لومة لائم بدليل أنه قد واجه فرعون بما واجهه؟ وهذه القضية مفروغ منها، لكنه التطبيق على الواقع... فنصر المظلوم التي يترتب عليها ظلم أشد وفساد أشد هي من عمل الشيطان المضل المبين، ومن الغواية، والبعض يجعلها من سبيل المجرمين؛ لأن موسى -عليه السلام- قال: ( رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ )، فالبعض يفسرها بلن أكون ظهيرًا لمثل هذا الرجل الإسرائيلي، والبعض يفسرها رغم أني أعترف على نفسي بالخطأ فلن أكون ظهيرًا للفراعنة، وهذه قضية لا بد أن تكون واضحة؛ أننا لا يمكن أن نعاون مَن يعادي الإسلام، لكن لا بد أن نرعى المصلحة العامة للمسلمين.
