شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الصوفية من الزهد إلى الحلول إلى الاتحاد إلى وحدة الوجود (2) التصوف إلى نهاية القرن الثالث

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

8- هـ: وَهَذِهِ حَالُ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-، وَهُوَ حَالُ نَبِيِّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَإِنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إلَى السَّمَاءِ، وَأَرَاهُ اللَّهُ مَا أَرَاهُ، وَأَصْبَحَ كَبَائِتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَيْهِ حَالُهُ؛ فَحَالُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَالِ مُوسَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّذِي خَرَّ صَعِقًا لَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ، وَحَالُ مُوسَى حَالٌ جَلِيلَةٌ عَلِيَّةٌ فَاضِلَةٌ، لَكِنَّ حَالَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَكْمَلُ وَأَعْلَى وَأَفْضَلُ ( قلتُ: ولكننا نعلم أن ما تعرَّض له موسى كان أمرًا عظيمًا جللًا، وليس كقراءة القرآن أو ترديد الأذكار، فحال موسى -عليه السلام- من أكمل الحالات، وحال محمد -صلى الله عليه وسلم- أكمل منها، وحال الصحابة حسنة مشروعة، وحال مَن يصعقون ناقصة، فإن كان الصعق اضطراريًّا فهو نقص معفو عنه، وإن كان بافتعال فهو نقص يؤاخذ به صاحبه).

9- وَلِأَجْلِ مَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَالتَّنَازُعِ فِيهِ، تَنَازَعَ النَّاسُ فِي طَرِيقِهِمْ:

9- أ: فَطَائِفَةٌ ذَمَّتْ "الصُّوفِيَّةَ وَالتَّصَوُّفَ"، وَقَالُوا: إنَّهُمْ مُبْتَدِعُونَ خَارِجُونَ عَنْ السُّنَّةِ، وَنُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ.

9- ب: وَطَائِفَةٌ غَلَتْ فِيهِمْ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْمَلُهُمْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ.

9-ج: وَكِلَا طَرَفَيْ هَذِهِ الْأُمُورِ ذَمِيمٌ، و"الصَّوَابُ" أَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَمَا اجْتَهَدَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ، فَفِيهِمْ السَّابِقُ الْمُقَرَّبُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ، وَفِيهِمْ الْمُقْتَصِدُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ وَفِي كُلٍّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ مَنْ قَدْ يَجْتَهِدُ فَيُخْطِئُ، وَفِيهِمْ مَنْ يُذْنِبُ فَيَتُوبُ أَوْ لَا يَتُوبُ، وَمِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِمْ مَنْ هُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، عَاصٍ لِرَبِّهِ.

9- د: وَقَدْ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالزَّنْدَقَةِ، وَلَكِنْ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ لَيْسُوا مِنْهُمْ: كَالْحَلَّاجِ -مَثَلًا-؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَشَايِخِ الطَّرِيقِ أَنْكَرُوهُ وَأَخْرَجُوهُ عَنْ الطَّرِيقِ، مِثْلُ: الْجُنَيْد بْنِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الطَّائِفَةِ، وَغَيْرِهِ. كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي؛ فِي "طَبَقَاتِ الصُّوفِيَّةِ"، وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ؛ فَهَذَا أَصْلُ التَّصَوُّفِ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَشَعَّبَ وَتَنَوَّعَ" (انتهى باختصارٍ) .

وكتتمة للفائدة، سنورد أسماء أشهر مَن يَرِد ذكرهم مِن رموز الزهد أو الصوفية؛ سواء نُسِبوا للتصوف، أو كثر النقل عنهم في الزهد والسلوك حتى وفيات القرن الثالث:

1- الحسن بن يسار البصري (ت: 110هـ): إمام من أئمة التابعين من أعلام السُّنة، وكلامه في الزهد في غاية الانضباط، وذكره ابن تيمية ضمن العلماء الذين أُخِذ عنهم الزهد، ولم يتمكن الصوفية من الكذب عليه إلا بزعم التعلُّم العلم منه، دون أن يسندوا إليه تفصيلًا أيًّا مِن أقوالهم أو عقائدهم.

2- محمد بن واسع (ت: 123هـ): من التابعين، ومن كبار أصحاب الحسن البصري.

3- أيوب السختياني (ت: 131هـ).

وثابت البناني (ت: 123هـ)، وعبد الله بن عون (ت: 150هـ)، من تلاميذ الحسن البصري وعلى طريقته، وتواريخ وفياتهم متقاربة؛ قال فيهم ابن تيمية: "وأما الأئمة من أصحاب الحسن: كأيوب السِّخْتياني، وثابت البُنَاني، وعبد الله بن عون، وغيرهم؛ فهؤلاء سالمون مما يُذم ممَّن رُمي ببدعةٍ من أصحابه.

وكان الحسن جليل القدر في العلم والعمل، فكان يسوس الناس في حياته، فلما مات صار بعضُهم يأخذ ما يوافق هواه من كلامه، ويدع ما لا يوافق هواه، فصار في بعضهم بدعة وتفرُّق من هذا الوجه، وكان بين هؤلاء وهؤلاء نزاع في أمور" (الرد على الشاذلي، ص 130) .

4- عتبة الغلام وعطاء السليمي.

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاث خصال: صوتًا حسنًا، ودمعًا غزيرًا، وطعامًا من غير تكلُّف. فكان إذا قرأ بكى وأبكى، ودموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى منزله فيصيب فيه قُوتَه ولا يدري من أين يأتيه" (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص 165) .

بيد أنه اعتبر شدة خوفه بداية لظهور نزعات صوفية، فقال في مجموع الفتاوى (11/ 13): "الْمَقْصُودُ: أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي فِيهَا زِيَادَةٌ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْأَحْوَالِ خَرَجَتْ مِنْ الْبَصْرَةِ، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ الْخَوْفِ، فَإِنَّ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ ِمنْ خَوْفِ عَتَبَةِ الْغُلَامِ، وَعَطَاءِ السُّلَيْمِيِّ، وَأَمْثَالِهِمَا، أَمْرٌ عَظِيمٌ".

5- مالك بن دينار (ت: 131هـ): من تلاميذ الحسن البصري وعلى طريقته، وذكره ابن تيمية ضمن خيار تلاميذ الحسن البصري.

6- ‌فَرْقَدٍ ‌السَّبَخِي (ت: 131هـ): من تلاميذ الحسن البصري وعلى طريقته، وذكره ابن تيمية ضمن خيار تلاميذ الحسن البصري.

6- أبو هاشم الكوفي (ت: 160هـ): على طريقة الزهد السني.

7- سفيان الثوري (ت: 161هـ): إمام في الزهد والحديث والفقه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية