الصوفية من الزهد إلى الحلول إلى الاتحاد إلى وحدة الوجود (2) التصوف إلى نهاية القرن الثالث
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وَقَالُوا لِلْإِمَامِ أَحْمَد: مَنْ أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَالِكٌ أَمْ سُفْيَانُ؟ فَقَالَ: بَلْ مَالِكٌ. فَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَعْلَمُ بِآثَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَالِكٌ أَمْ سُفْيَانُ؟ فَقَالَ: بَلْ مَالِكٌ. فَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَزْهَدُ مَالِكٌ أَمْ سُفْيَانُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ لَكُمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَعْلَمُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَلِكَ الْوَقْتَ بِالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيَّ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنَ بْنَ صَالِحِ بْنِ حي، وَشَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِي الْقَاضِي، كَانُوا مُتَقَارِبِينَ فِي الْعَصْرِ، وَهُمْ أَئِمَّةُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ" (مجموع الفتاوى، 20/ 329) .
8- إبراهيم بن أدهم (ت: 162هـ): من خيرة الزهاد والعباد والمجاهدين؛ ذكره ابن تيمية مرارًا ضمن أئمة الزهد المستقيمين، ومن ذلك: قوله في كتاب الرد على الشاذلي (ص 73): "والمشايخ المستقيمون: كالفُضيل بن عِياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكَرْخي، وأمثالهم هم المتبعون للكتاب والسنة، والصوفية المتبعون لهم هم صوفية أهل السنة والحديث في اعتقادهم وفي عملهم، فهم يؤمنون بما أخبر به الرسول، ويَمْتَثلون ما أمر به يصدقونه في خبره، ويطيعونه في أمره، ومن كان كذلك فهو من أولياء الله المتقين الذين لا خوفٌ عليهم، ولا هم يحزنون".
ومع هذا يكثر في كتب الصوفية ذكر بداية دخوله في طريق التصوف، وأنه سمع منادٍ فهام في الصحراء، ودخل على راهب فأخذ عنه، وأنه لقي الخضر -عليه السلام- فعلَّمه اسم الله الأعظم، وفي بعض رواياتهم أنه لقي إلياس -عليه السلام-، ولو صحت هذه القصص عنه؛ لكان بذلك مفتتح باب الابتداع، والتحول من الزهد الى التصوف، لكنها لا تصح كما قال ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية" في ترجمة إبراهيم بن أدهم.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وذكر أبو نعيم وغيره: أنه كان ابن ملك من ملوك خراسان، وكان قد حبب إليه الصيد، قال: فخرجتُ مرة فأثرت ثعلبًا فهتف بي هاتف من قربوس سرجي: ما لهذا خُلِقَت، ولا بهذا أُمِرت. قال: فوقفت وقلتُ: انتهيتُ انتهيتُ، جاءني نذير من رب العالمين.
فرجعتُ إلى أهلي، فخليت عن فرسي، وجئت إلى بعض رعاة أبي، فأخذت منه جبة وكساء ثم ألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى العراق فعملت بها أيامًا فلم يصفُ لي بها الحلال، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فأرشدني إلى بلاد الشام، فأتيت طرطوس فعملت بها أيامًا أنطر البساتين وأحصد الحصاد، وكان يقول: ما تهنَّيتُ بالعيش إلا في بلاد الشام، أفر بديني من شاهق إلى شاهق، ومن جبل إلى جبل، فمن يراني يقول: هو موسوس.
ثم دخل البادية ودخل مكة، وصحب الثوري والفضل بن عياض، ودخل الشام ومات بها، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه، مثل: الحصاد، وعمل الفاعل، وحفظ البستان، وغير ذلك.
وما روي عنه أنه وَجَد رجلًا في البادية فعلَّمه اسم الله الأعظم فكان يدعو به حتى رأى الخضر، فقال له: إنما علمك أخي داود اسم الله الأعظم؛ ذكره القشيري وابن عساكر عنه بإسناد لا يصح. وفيه أنه قال له: إن إلياس علمك اسم الله الأعظم" (البداية والنهاية، 10/ 387) .
9- دواد الطائي (ت: 165هـ): على طريقة الزهد السني.
10- عبد الواحد بن زيد (ت: 177هـ)؛ قال فيه ابن تيمية: "فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا ظَهَرَتْ الصُّوفِيَّةُ مِنْ الْبَصْرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ بَنَى دويرة الصُّوفِيَّةِ بَعْضُ أَصْحَابِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ".
11- رابعة العدوية (ت: 180هـ): عابدة صالحة، نُسِبت إليها أقوال في الحب الإلهي، وازدراء عبادات الخوف والرجاء، وقد برأها ابن تيمية من هذا، وفي الواقع فإن المتتبع يرى أن لابن تيمية فراسة خاصة فيمن نُسِبت إليه بدعة ممَّن عُرِف عنه الصلاح، فقد يحاكم البعض بها، وقد يثبتها للبعض ويلتمس له المعاذير، وقد يقرر أنها مكذوبة أصلًا كما فعل مع رابعة.
12- عبد الله بن المبارك (ت: 181هـ): إمام في الحديث والفقه، والجهاد والمرابطة.
13- الفضيل بن عياض (ت: 187هـ): إمام في الزهد والورع على طريقة سنية.
14- شَقِيق البَلْخي (ت: 194هـ): على طريقة الزهد السني.
ويروي الصوفية له قصة طويلة شبيهة بقصة أستاذه إبراهيم بن أدهم، ولكنهم في هذه المرة يذكرون لقاءه بموسى الكاظم، ففيها بدايات ربط التصوف بالشيعة، وهي رابطة موجودة بالفعل، ولكن أصحابها ترويجًا لها، حاولوا نسبتها كذبًا لبعض أئمة الزهد السني؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب منهاج السنة النبوية (4/ 57) بعد أن أورد تلك القصة: "وَأَمَّا الْحِكَايَةُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ شَقِيقٍ الْبَلْخِيِّ فَكَذِبٌ".
15- جابر بن حيان (ت: 196هـ): صاحب الكيميا، متهم بالتشيع ومتهم بتصوف ممزوج ببدع فارسية وهندية؛ قال فيه ابن تيمية في كتاب "النبوات": "وَأَمَّا جَابِرُ بْنُ حَيَّانَ، صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَ الْكِيمَاوِيَّةِ: فَمَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ، وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا بَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ".
فيمكننا أن نعتبره من البدايات الأولى للانحراف، ولكنه انحراف فردي، أو كما يقولون في زمنه: قبل صوفي، ولم يكن قد قيل: "صوفية" بالجمع بعد.
16- معروف الكرخي (ت: 200هـ): على طريقة الزهد السني.
17- عبدك الصوفي (ت: 210هـ): منافس لجابر بن حيان في تهمة بدايات مزج الزهد بالفلسفات القديمة.
18- أبو سليمان الداراني (ت: 215هـ): إمام في الزهد السني.
19- بشر بن الحارث الحافي (ت: 227هـ): على طريقة الزهد السني.
20- الحارث المحاسبي (ت: 243هـ): معاصر للإمام أحمد يمثل بدايات الانشغال بالتفتيش في النفس للبحث عن عيوبها، مع شيء من عدم الالتزام بمرجعية الكتاب والسنة في هذا الباب.
