الصوفية من الزهد إلى الحلول إلى الاتحاد إلى وحدة الوجود (2) التصوف إلى نهاية القرن الثالث
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
ولكنه يمثِّل أيضًا على صعيد آخر بدايات علم الكلام؛ لأنه مال لقول ابن كلاب؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموعة الرسائل والمسائل التي جمعها "رشيد رضا" (3/ 74): "وهذا الأصل هو مما أنكره الإمام أحمد على ابن كلاب وأصحابه، حتى على الحارث المحاسبي مع جلالة قدر الحارث، وأمر أحمد بهجره وهجر الكلابية، وقال: احذروا من حارث، الآفة كلها من حارث، فمات الحارث وما صلى عليه إلا نفر قليل بسبب تحذير الإمام أحمد عنه، مع أن فيه من العلم والدين ما هو أفضل مِن عامة مَن وافق ابن كلاب على هذا الأصل. وقد قيل: إن الحارث رجع عن ذلك، وأقر بأن الله يتكلم بصوت كما حكى عنه ذلك صاحب التعرف لمذهب التصوف، أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي.
وكثير من المتأخرين من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وافقوا ابن كلاب على هذا الأصل، كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع آخر".
21- ذو النون المصري (ت: 245هـ): متهم بمزج الزهد بنظرية الإشراق الأفلاطونية، وابن تيمية يحسن به الظن، وذكر قصة في حضوره لمجلس سماع وغناء، ووَجْد صوفي، فتأولها له.
قال ابن تيمية في كتاب الاستقامة بعد ذكر هذه القصة: "فَهَذَا وَنَحْوه هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْأَئِمَّة: كالشافعي فِي قَوْله: خلفتُ بِبَغْدَاد شَيْئا أحدثته الزَّنَادِقَة يسمونه: التغبير، يصدون بِهِ النَّاس عَن الْقُرْآن. فَيكون ذُو النُّون هُوَ أحد الَّذين حَضَرُوا التغبير الَّذِي أنكرهُ الْأَئِمَّة وشيوخ السّلف، وَيكون هُوَ أحد المتأولين فِي ذَلِك. وَقَوله فِيهِ كَقَوْل شُيُوخ الْكُوفَة وعلمائها فِي النَّبِيذ".
وللعلم لم يكن معروفًا عنه غير ذلك؛ غير أن كتبه التي وصلتْ إلينا؛ لا سيما تلك التي حرص المستشرقون على نشرها تدل على أنه مزج الزهد بنظرية الإشراق الأفلاطونية، فعلى الأقل سنتعامل مع كتبه مستصحبين هذا الخطر.
22- سري السقطي (ت: 251هـ): على طريقة الزهد السني.
23-أبو اليزيد البسطامي (ت: 264هـ): صاحب شطحات حلولية واتحادية (سنفرد لها مقالة -بإذن الله-).
24- أبو حفص الحداد (ت: 265هـ): على طريقة الزهد السني.
25- حمدون القصار (ت: 271هـ): يُنسَب إليه مَن يسمون بالملامتية، وإليهم تُعزَى بعض البدع العملية، وإظهار المعاصي هربًا من مدح الناس (قيل: كان يتظاهرون بفعلها دون أن يفعلوها بالفعل، وقيل: كان هذا أحد الأبواب التي آلت إلى القول بسقوط التكليف).
26- سهل التستري (ت: 283هـ): على طريقة الزهد السني.
27- الجنيد (ت: 297هـ): يلقبه الصوفية بسيد الطائفة، ويجمعون على أنه مرجع في ضبط ظاهر الشرع؛ حتى المنحرفين منهم يعتبرون أنه يجب ضبط ظواهرهم بما يُؤثَر عن الجنيد، وإن اعتمدوا كلام غيره في الباطن.
28- أبو الحسين النوري (ت: 295هـ): على طريقة الزهد السني.
28- عمرو بن عثمان المكي (ت: 297هـ): على طريقة الزهد السني.
29- أبو سعيد الخراز (ت: 297هـ): على طريقة الزهد السني.
30- الحلاج (ت: 309هـ): قُتِل رِدَّة لقوله بالحلول.
31- الشبلي (ت: 334هـ): كان معاصرًا لأبي اليزيد البسطامي، وعلى طريقته.
الخلاصة:
- من بين هذه الأسماء تبرز أسماء سنية خالصة: كالحسن البصري، ومحمد بن واسع، ومعظم تلاميذ الحسن.
- وأسماء يمكن أن يُنقَل عنها ما يُنكَر: كعبد الواحد بن زيد، والحارث المحاسبي.
- كما تبرز أسماء نُسِبت إليها انحرافات مبكرة وشديدة مع ثناء السلف أو محققي السلفية عليهم، مثل: رابعة العدوية، وإبراهيم بن أدهم، وشقيق البلخي، وعند التحقيق نجد أن ما نُسِب إليهم مكذوب عليهم.
- كما تبرز أسماء غامضة نَسَب إليها متأخرو الصوفية حكايات متأثرة بالفلسفات الشرقية، ولم يُعرَف عنهم الاشتغال بالعلم، ولا الدعوة إلى السنة؛ مما يجعل التهمة قريبة منهم، مثل: جابر بن حيان، وعبدك الصوفي، وحمدون القصار.
ويأتي اسم "ذو النون المصري"، وكلامه يحمل دلائل كبيرة لتأثره بالفلسفة الأفلاطونية، ولكن مثل هذه التوجهات لم تنتشر في صوفية زمانه؛ إلا لو اعتبرنا أن له دورًا في جرأة الحلاج على ما ادعاه، وعمومًا الكتب والأقوال المنسوبة لذي النون المصري يجب أن تُعامَل بحذر شديد، وأن يُتوقع أن يكون فيها مخالفات؛ بغض النظر عن مصدرها، وإن كان غالب الظن أن مصدر هذه المخالفات كان فلسلفيًّا.
- وتبرز معنا أسماء أصحاب الشطحات، وعلى رأسهم: أبو اليزيد البسطامي، والشبلي.
- وبالطبع كان الانحراف الأكبر: القول بالحلول والاتحاد على يد "الحلاج".
وفى وسط هذا الصعود المفاجئ لانحرافاتٍ كبرى؛ سواء بالشطح، أو بالقول بالحلول حال الصحو؛ ظهر "الجنيد" كإمام صوفي يرد على ذلك، ويتمسك بما يمكن أن نسميه: صوفية القرن الثاني، وبالتالي حرص معظم صوفية القرن الرابع على نفي الانتساب لأصحاب الشطحات والحلول، وأثبتوا الانتساب إلى الجنيد، فعُدَّ إمام الطائفة.
ونكتفي بهذا القَدْر من استعراض الفكر الصوفي في القرنين: الثاني والثالث.
ونتناول شطحات "أبي اليزيد البسطامي" في المقالة التالية -بإذن الله تعالى-.
