الصوفية من الزهد إلى الحلول إلى الاتحاد إلى وحدة الوجود (2) التصوف إلى نهاية القرن الثالث
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قدمنا في المقالة السابقة أن أواخر القرن الثاني الهجري شهد بعض صور الاهتمام ثم الغلو في الزهد الذي عُرِف في بدايات القرن الثالث باسم التصوف، ولكنه في نهايات القرن الثالث ظهرت انحرافات شديدة مَثَّلها بوضوح "الحلاج"، وذكرنا أننا سنخصص لكلِّ مرحلة مقالًا.
وسوف نتناول في هذا المقال مظاهر وأفكار التصوف إلى نهاية القرن الثالث، ومِن أكثر مَن تكلم عن الصوفية بعدل وإنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية، فمع حملته الشديدة على كل بدعهم "وخاصة الانحراف الكفري لدى الحلولية والاتحادية"؛ إلا أنه لم يعمم قط في أحكامه عليهم ولا على غيرهم، ولم يحاكِم أحدًا إلا إلى كلامه وأفعاله، بل ومع العذر متى وَجَد إليه سبيلًا، وقد استعرض -رحمه الله- هذا التاريخ في أكثر من موضع من كتبه، منها: الفتوى الواردة في مجموع الفتاوى في الجزء الحادي عشر من (ص 5 إلى ص 24)، وهذا ملخصها لخصته بالحذف والتنسيق (وما كان من إضافة فقد وضعتها بين قوسين).
"سُئِلَ شَيْخُ الإسلام -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- عَنْ: "الصُّوفِيَّةِ" وَأَنَّهُمْ أَقْسَامٌ، "وَالْفُقَرَاءُ" أَقْسَامٌ، فَمَا صِفَةُ كُلِّ قِسْمٍ؟ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْلُكَهُ؟
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ:
1- أَمَّا لَفْظُ: "الصُّوفِيَّةِ"؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا اُشْتُهِرَ التَّكَلُّمُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ( قلتُ: هنا يعني مصطلح التصوف).
2- وَقَدْ نُقِلَ التَّكَلُّمُ بِهِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ: كَالْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، الداراني، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ، وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ( قلتُ: هنا يعني ظهور عناية ببعض الموضوعات التي سميت لاحقًا تصوفًا).
3- وَقِيلَ -وَهُوَ الْمَعْرُوفُ-: إنَّه نِسْبَةٌ إلَى لُبْسِ الصُّوفِ.
4- فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا ظَهَرَتْ الصُّوفِيَّةُ مِنْ الْبَصْرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ بَنَى دويرة الصُّوفِيَّةِ بَعْضُ أَصْحَابِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ، وَكَانَ فِي الْبَصْرَةِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْخَوْفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، ما لَمْ يَكُنْ فِي سَائِرِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ؛ وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ: فِقْهٌ كُوفِيٌّ، وَعِبَادَةٌ بَصْرِيَّةٌ.
5- وَقَدْ رَوَى أَبُو الشَّيْخِ الأصبهاني بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا يُفَضِّلُونَ لِبَاسَ الصُّوفِ، فَقَالَ: إنَّ قَوْمًا يَتَخَيَّرُونَ الصُّوفَ يَقُولُونَ: إنَّهُمْ مُتَشَبِّهُونَ بِالْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ وَهَدْيُ نَبِيِّنَا أَحَبُّ إلَيْنَا، وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَلْبَسُ الْقُطْنَ وَغَيْرَهُ، أَوْ كَلَامًا نَحْوًا مِنْ هَذَا ( قلتُ: وفي هذا دلالة أن بوادر الغلو في الزهد حتى قبل أن تسمَّى تصوفًا، قد أنكرها أئمة الدِّين).
6- وَلِهَذَا غَالِبُ مَا يُحْكَى مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، إنَّمَا هُوَ عَنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِثْلُ حِكَايَةِ مَنْ مَاتَ أَوْ غُشِيَ عَلَيْهِ فِي سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَنَحْوِهِ، كَقِصَّةِ زرارة بْنِ أَوْفَى قَاضِي الْبَصْرَةِ؛ فَإِنَّهُ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ: ( فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ) (المدثر: 8) ، فَخَرَّ مَيِّتًا، وَكَقِصَّةِ أَبِي جَهِيرٍ الْأَعْمَى الَّذِي قَرَأَ عَلَيْهِ صَالِحُ المري فَمَاتَ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ رُوِيَ أَنَّهُمْ مَاتُوا بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَتِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ طَوَائِفُ يُصْعَقُونَ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ هَذَا حَالُهُ! ( قلتُ: وفيه بيان: أن هذه الأحوال مخالفة لحال السلف، وإن كان الشيخ قد مال إلى أن بعضهم يُغلَب على هذا، ومِن ثَمَّ قال بعذر مَن هذه حاله -كما سيأتي-).
7- فَلَمَّا ظَهَرَ ذَلِكَ، أَنْكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: كَأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، وَنَحْوِهِمْ ( قلتُ: وهذا إنكار لمظهر آخر من مظاهر الغلو في الزهد والعبادة).
8- وَالْمُنْكِرُونَ لَهُمْ مَأْخَذَانِ:
8- أ: مِنْهُمْ مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ تَكَلُّفًا وَتَصَنُّعًا؛ يُذْكَرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين أَنَّهُ قَالَ: مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُصْعَقُونَ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ إلَّا أَنْ يُقْرَأَ عَلَى أَحَدِهِمْ وَهُوَ عَلَى حَائِطٍ، فَإِنْ خَرَّ فَهُوَ صَادِقٌ ( قلتُ: ما أحوجنا إلى أن نجري هذا الاختبار على مدعي التصوف!).
8- ب: وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ بِدْعَةً مُخَالِفًا لِمَا عُرِفَ مِنْ هَدْيِ الصَّحَابَةِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ أَسْمَاءَ وَابْنِهَا عَبْدِ اللَّهِ.
8- ج: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ إذَا كَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ حَالُ الثَّابِتِ أَكْمَلَ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَد عَنْ هَذَا. فَقَالَ: قُرِئَ الْقُرْآنُ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَدَرَ أَحَدٌ أَنْ يَدْفَعَ هَذَا عَنْ نَفْسِهِ لَدَفَعَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، فَمَا رَأَيْت أَعْقَلَ مِنْهُ، وَنَحْوَ هَذَا. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَصَابَهُ ذَلِكَ، وَعَلِيُّ بْنُ الْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ قِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ.
8- د: وَلَكِنْ مَنْ لَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الْإِيمَانِ مَا حَصَلَ لَهُمْ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ أَكْمَلُ مِنْهُ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ.
