الكبائر (42) تكفير المسلمين بغير حق (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .
- تكفير المسلمين بغير حق من أكبر الكبائر، وأشر الجرائم، لما يترتب على ذلك من مفاسد عقدية واجتماعية، وتفريق لجماعة المسلمين، وانتهاك للحرمات من سفك الدماء والاعتداء على الأموال والأعراض: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيُّما رَجُلٍ قالَ لأخِيهِ: يا كافِرُ، فقَدْ باءَ بها أحَدُهُما ) (متفق عليه) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ولَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، ومَن رَمَى مُؤْمِنًا بكُفْرٍ فَهو كَقَتْلِهِ ) (رواه البخاري) .
- الإشارة إلى بداية ظهور أتباع هذا الفكر المنحرف الذين بدؤوا بالصحابة فكفروهم، وأنهم لا يزالون يطلون على الأمة بين الفينة والأخرى، لا سيما إذا توافرت لهم الأسباب المعينة على وجودهم، كما سيأتي في الكلام عن أسباب انتشاره.
1- خطر تكفير المسلم بغير حق:
- لا يجوز لأحد أن ينسب إلى مسلم شيئًا لم يفعله أو يعتقده: قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ) (الأحزاب: 58).
- وأخطر ذلك أن ينسب مسلمًا إلى الكفر بغير حق: قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) (النساء: 94) ، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لَقِيَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلاً فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ"، فَنَزَلَتْ: ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ) وَقَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: "السَّلامَ" (متفق عليه) .
- حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- وزجر عن ذلك، وأخبر عن عاقبته السيئة على المعتدي: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ ) (متفق عليه) ، وعن أبي ذر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( ومَنْ دَعَا رجلًا بِالكُفرِ، أو قال عدُوَّ اللهِ وليسَ كذلِكَ، إلَّا حارَ عليْهِ ) (متفق عليه) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وإذا كان تكفير المعين على سبيل الشتم كقتله؛ فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد؟ فإن ذلك أعظم من قتله" (الاستقامة لابن تيمية) .
2- الآثار المترتبة على تكفير المسلم:
- تمهيد: هذا النهي والزجر من الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- عن تكفير المسلمين بغير حق إنما هو لما يترتب على ذلك مِن آثار خطيرة؛ حيث يتغير وصف "المسلم" إلى "المرتد"، وهذا له أحكام تترتب عليه، فالردة مروق وخروج مِن ملة الإسلام بعد ثبوته، فيترتب على ذلك أحكام في الدنيا بعد الحكم عليه بالخلود في النار إن مات على ذلك، ومن هذه الأحكام ما يأتي:
أ- إباحة دمه:
- المرتد قد جاء بما يدل على بغضه للإسلام وعداوته لأهله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأَنِّي رَسولُ اللَّهِ، إلَّا بإحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، والثَّيِّبُ الزَّانِي، والمارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَماعَةِ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) (رواه البخاري) .
ب- لا يُقبل منه عمل:
- المرتد لا تنفعه صلاة، ولا زكاة، ولا صيام، ولا حج، ولا شيء، ولا يقبل منه عمل سابق ولا لاحق: قال الله -تعالى-: ( وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (البقرة:217) ، وقال -تعالى-: ( وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (المائدة:5) .
ت- لا يعامل كموتى المسلمين إذا مات:
- المرتد لا يغسل ولا يكفن، ولا يصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يجوز الترحم عليه ولا الاستغفار والدعاء له: قال الله -تعالى-: ( وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) (التوبة: 84) ، قال الله -تعالى-: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) (التوبة:113) .
ث- يفسخ نكاحه:
- المرتد لا تحل له زوجته المسلمة وتبين منه مع ثبوت الردة، ولا يجوز أن يكون وليًّا لامرأة مسلمة في عقد نكاح: قال الله -تعالى-: ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) (الممتحنة: 10) ، وقال الله -تعالى-: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (التوبة: 71) .
ج- ماله يصير فيئًا للمسلمين، ولا يرث ولا يورث:
- المرتد إذا مات لا يورث ولا يرث قرابته المسلمين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلَا الكَافِرُ المُسْلِمَ ) (متفق عليه) .
