شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

يوم عاشوراء في القرآن الكريم (2-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

فركب فرعون في جنوده طالبًا بني إسرائيل، يقفو أثرهم في جيش كثيف عرمرم، فلحقهم بجنوده، وأدركهم عند شروق شمس يوم عاشوراء، وتراءى الجمعان، ولم يبقَ ثَمَّ ريب ولا لبس، فقد عاين كل من الفريقين صاحبه وتحققه ورآه، فلم يبقَ إلا المقاتلة والمجادلة؛ قال الله -تعالى-: ( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ) (الشعراء: 60) ، أي: وصلوا إليهم عند شروق الشمس وهو طلوعها ( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) (الشعراء: 61، 62 ) ، (الشعراء:60 - 62). وقال أصحاب موسى وقد تملكهم الخوف ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ )، وذلك أنهم انتهى بهم السير إلى سيف (ساحل) البحر، وهو بحر القلزم (تفسير ابن كثير) ، وبحر القلزم هو البحر الأحمر، فلم يعد لهم طريق؛ إذ البحر أمامهم، والجبال عن يمينهم وعن يسرتهم، وهي شاهقة مرتفعة، وفرعون قد واجههم في جنوده وعدده وعتاده، ولم يبقَ إلا أن يتقاتل الجمعان، وهم لا قِبَل لهم بهم، ولا محيد إلا خوض البحر، وهذا ما لا يقدرون عليه، فصاروا في غاية الذعر والخوف من بطش فرعون، لما قاسوه في ملكه وسلطانه من قبل من الإهانة والذل.

لذا شكوا إلى نبي الله موسى -عليه السلام- ما هم فيه مما شاهدوه وعاينوه، فأجابهم وهو الصادق المصدوق: ( كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ )، "أي: لا يصل إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله -سبحانه- هو الذي أمرني أن أسير ههنا بكم، وهو -سبحانه وتعالى- لا يخلف الميعاد" (المصدر السابق) .

وكان موسى -عليه السلام- في الساقة (المؤخرة)، فتقدم على المقدمة، ونظر إلى البحر وأمواجه تتلاطم، لقد أمر أن يكون هنا! ووقف معه كبار بني إسرائيل من العلماء والعباد ورجال القوم ينظرون، والجميع وقوف عليهم عكوف، فلما تفاقم الأمر وضاق الحل واشتد الكرب، واقترب فرعون وجنوده وهم في حال من الغضب والحنق، زاغت أبصار بني إسرائيل وبلغت القلوب الحناجر؛ عندها أوحى الله -تعالى- الحليم العظيم القدير إلى موسى الكليم: ( أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ) (الشعراء:63) ، فلما ضرب موسى البحر انفلق البحر فرقين، كل فرق منهما كالطود العظيم، وهكذا صار ماء البحر قائمًا مثل الجبال، مكفوفًا بقدرة الله -تعالى-، وأرضه يابسة تسمح بسير الخيل والدواب والناس عليها؛ قال -تعالى-: ( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) (الشعراء: 63) .

فـ"صار الماء من ها هنا وهاهنا كالجبلين، وصار وسطه يابسًا" (المصدر السابق) ، فلما آل أمر البحر إلى هذه الحال بإذن الله -تعالى- أمر موسى بني إسرائيل أن يجوزوه، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين، وقد شاهدوا بأعينهم من الأمر العظيم ما يحير الناظرين، ويثلج قلوب المؤمنين.

فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، وخرج آخرهم منه وانفصلوا عنه، كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ووفودهم عليه.

ولما هَمَّ موسى -عليه السلام- أن يضرب البحر من جديد ليرجع البحر كما كان عليه لئلا يكون لفرعون وجنوده وصولًا إليه ومجاوزته، أمره الله -تعالى- أن يترك البحر على حالته كما هي، قال -تعالى-: ( ‌وَاتْرُكِ ‌الْبَحْرَ ‌رَهْوًا ‌إِنَّهُمْ ‌جُنْدٌ ‌مُغْرَقُونَ ) (الدخان: 24) .

قال ابن كثير: "فقوله -تعالى-: ( ‌وَاتْرُكِ ‌الْبَحْرَ ‌رَهْوًا ) أي: ساكنًا على هيئته لا تغيره عن هذه الصفة؛ قاله عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة، والربيع والضحاك وقتادة، وكعب الأحبار، وسماك بن حرب وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. فلما تركه على هيئته وحاله وانتهى إليه فرعون، فرأى ما رأى وعاين ما عاين، هاله هذا المنظر العظيم، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل رب العرش الكريم) (المصدر السابق) .

وبعد تردد لم يطل اقتحم فرعون وجنوده البحر من ناحيته الأخرى وراء بني إسرائيل مسرعين، فدخلوا البحر أجمعين، "فلما توسطوه أمر الله موسى فضرب البحر بعصاه فرجع الماء كما كان عليهم" (المصدر السابق) .

"فعند ذلك أمر الله -تعالى- كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر، فضربه، فارتطم البحر عليهم كما كان، فلم ينجُ منهم إنسان، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم وتراكمت الأمواج فوق فرعون، وغشيته سكرات الموت، قال الله -تعالى-: ( ‌وَأَنْجَيْنَا ‌مُوسَى ‌وَمَنْ ‌مَعَهُ ‌أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء: 65-68 ) أي: في إنجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد، وإغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحد؛ آية عظيمة وبرهان قاطع على قدرته -تعالى- العظيمة وصدق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشريعة الكريمة والمناهج المستقيمة" (المصدر السابق) .

وقال -تعالى-: ( ‌وَلَقَدْ ‌أَوْحَيْنَا ‌إِلَى ‌مُوسَى ‌أَنْ ‌أَسْرِ ‌بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى . فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ . وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ) (طه: 77-79) .

القرآن الكريم يصف اللحظات الأخيرة في حياة فرعون:

قال -تعالى-: ( وَجَاوَزْنَا ‌بِبَنِي ‌إِسْرَائِيلَ ‌الْبَحْرَ ‌فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) (يونس: 90-92) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية