شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

يوم عاشوراء في القرآن الكريم (2-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

يقول ابن كثير: "يخبر -تعالى- عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط، وأنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارة وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده ماذا أحل الله به، وبهم من البأس العظيم والخطب الجسيم، ليكون أقر لأعين بني إسرائيل وأشفى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به، وباشر سكرات الموت، أناب حينئذٍ وتاب، وآمن حين لا ينفع نفسًا إيمانها، كما قال -تعالى- ( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ . ‌وَلَوْ ‌جَاءَتْهُمْ ‌كُلُّ ‌آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) (يونس: 96-97) ، وقال -تعالى-: ( ‌فَلَمَّا ‌رَأَوْا ‌بَأْسَنَا ‌قَالُوا ‌آمَنَّا ‌بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ . فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ) (غافر: 84، 85) .

وهكذا دعا موسى على فرعون وملئه أن يطمس على أموالهم ويشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، أي: حين لا ينفعهم ذلك، ويكون حسرة عليهم، وقد قال -تعالى- لهما -أي: لموسى وهارون- حين دعوا بهذا: ( قَدْ ‌أُجِيبَتْ ‌دَعْوَتُكُمَا ) (يونس: 89 ) ، فهذا من إجابة الله -تعالى- دعوة كليمه وأخيه هارون -عليهما السلام-" (المصدر السابق) .

"وهذا الذي حكاه الله -تعالى- عن فرعون من قوله هذا في حاله ذلك، من أسرار الغيب التي أعلم الله بها رسوله -صلى الله عليه وسلم-" (تفسير ابن كثير) .

"وقوله -تعالى-: ( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) (يونس: 91 ) استفهام إنكار، ونص على عدم قبوله -تعالى- منه" (قصص الأنبياء:397) .

قال ابن كثير: "( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ) أي: أهذا الوقت تقول، وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه ( وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) أي: في الأرض، الذين أضلوا الناس ( ‌وَجَعَلْنَاهُمْ ‌أَئِمَّةً ‌يَدْعُونَ ‌إِلَى ‌النَّارِ ‌وَيَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ ‌لَا ‌يُنْصَرُونَ ) (القصص: 41) " (تفسير ابن كثير) .

"وقوله: ( ‌فَالْيَوْمَ ‌نُنَجِّيكَ ‌بِبَدَنِكَ ‌لِتَكُونَ ‌لِمَنْ ‌خَلْفَكَ ‌آيَةً ) (يونس: 92 ) ، قال ابن عباس وغير واحد: شك بعض بني إسرائيل في موت فرعون"، "فأمر الله البحر أن يلقيه بجسده سويًّا بلا روح وعليه درعه المعروفة، فرفعه على نجوة من الأرض، وهو المكان المرتفع، وعليه درعه التي يعرفونها من ملابسه، ليتحققوا موته وهلاكه، ويعلموا قدرة الله عليه؛ ولهذا قال: ( ‌فَالْيَوْمَ ‌نُنَجِّيكَ ‌بِبَدَنِكَ ) أي: مصاحبًا درعك المعروفة بك ( ‌لِتَكُونَ ) أي: أنت آية ( ‌لِمَنْ ‌خَلْفَكَ ‌آيَةً ) أي: من بني إسرائيل، ودليلًا على قدرة الله الذي أهلكك".

"ويحتمل أن المراد: ننجيك بجسدك مصاحبًا درعك، لتكون علامة لمن وراءك من بني إسرائيل على معرفتك وأنك هلكت. والله أعلم" (قصص الأنبياء بتصرفٍ) .

ذكر ابن كثير في قصص الأنبياء، وكذلك في تفسيره لسورة يونس الآية (92)، أن هلاك فرعون وجنوده كان في يوم عاشوراء، كما ذكر الإمام البخاري في صحيحه، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: قَدِمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا، قَالُوا: هَذَا ‌يَوْمٌ ‌صَالِحٌ، هَذَا يَوْمُ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: ( فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ ) فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.

وهكذا كان زوال ملك فرعون وسلطانه، وكان انعتاق بني إسرائيل من الخضوع لفرعون وطغيانه، وبدء التمكين لهم في الأرض: قال -تعالى-: ( ‌فَانْتَقَمْنَا ‌مِنْهُمْ ‌فَأَغْرَقْنَاهُمْ ‌فِي ‌الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ . وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) (الأعراف: 136، 137) .

قال ابن كثير: "أي: أهلك ذلك جميعه، وسلبهم عزهم العزيز العريض في الدنيا، وهلك الملك وحاشيته وأمراؤه، ولم يبقَ ببلد مصر سوى العامة والرعايا" (قصص الأنبياء) .

وقال -تعالى-: ( ‌فَأَسْرِ ‌بِعِبَادِي ‌لَيْلًا ‌إِنَّكُمْ ‌مُتَّبَعُونَ . وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ . كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ . وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ . مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ . وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ . وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ ) (الدخان: 23-33) ، وقال -تعالى-: ( ‌وَإِذْ ‌قَالَ ‌مُوسَى ‌لِقَوْمِهِ ‌يَا قَوْمِ ‌اذْكُرُوا ‌نِعْمَةَ ‌اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ) (المائدة: 20) .

قال ابن كثير: "وكان بين خروج بني إسرائيل من مصر بصحبة موسى -عليه السلام- وبين دخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل -أي: يعقوب عليه السلام- أربعمائة سنة وستًا وعشرين سنة شمسية" (قصص الأنبياء) . وفي موضع آخر ذكر ابن كثير نقلًا عن أهل الكتاب: "وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثين سنة"، وقال: "هذا نص كتابهم" (قصص الأنبياء) .

مصير حلي قوم فرعون:

الصفحة السابقة الصفحة التالية