يوم عاشوراء في القرآن الكريم (2-2)
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
لما ذهب موسى -عليه السلام- بعد ذلك "إلى ميقات ربه، فمكث على الطور يناجيه ربه، ويسأله موسى عن أشياء كثيرة، وهو -تعالى- يجيبه عليها، عمد رجل من بني إسرائيل يقال له السامري فأخذ ما استعاروه من الحلي من المصريين قبل خروجهم من مصر، فصاغ منه عجلًا، وألقى فيه قبضة من التراب كان أخذها من أثر فرس جبريل -عليه السلام- حين رآه يوم أغرق الله فرعون، فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقي. وقيل: كانت الريح إذا دخلت من دبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة فيرقصون حوله ويفرحون! ( فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ) (طه: 80) أي: فنسي موسى ربه عندنا، وذهب يطلبه وهو هاهنا، -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
قال الله -تعالى- مبينًا بطلان ما ذهبوا إليه، وما عولوا عليه من إلهية هذا الذي قصاره أن يكون حيوانا بهيما أو شيطانًا رجيمًا: ( أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ) (طه: 89 ) ، وقال: ( ?أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ) (الأعراف:148) .
( وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ) أي: ندموا على ما صنعوا ( وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (الأعراف: 149) .
ولما رجع موسى -عليه السلام- إليهم ورأى ما هم عليه من عبادة العجل)،(عنفهم ووبخهم في صنيعهم هذا القبيح، فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح، فقالوا: ( حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ) (طه: 87) ، تحرجوا من تملك حلي آل فرعون ولم يتحرجوا بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم من عبادة العجل الجسد الذي له خوار مع الواحد الأحد الصمد القهار!
فعمد موسى -عليه السلام- إلى هذا العجل فحرقه، قيل: بالنار، كما قاله قتادة وغيره. وقيل بالمبارد، -أي: برده بها- كما قاله علي وابن عباس وغيرهما، وهو نص أهل الكتاب، ثم ذراه في البحر.
ثم قال -تعالى- إخبارًا عن موسى -عليه السلام- أنه قال لهم: ( إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) (طه:98) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ) (الأعراف: 152) ، وهكذا وقع. (راجع: قصص الأنبياء بتصرفٍ) .
وجوب العمل بمقتضى أيام الله وقصصه في القرآن الكريم:
ختم الله -تعالى- كلامه عن قصة موسى عليه السلام وفرعون وقومه وما ذكره من أحداثها بقوله -تعالى-: ( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا . مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا . خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ) (طه: 99-101) .
قال ابن كثير: "يقول -تعالى- لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- كما قصصنا عليك خبر موسى وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة أو نقص. هذا ( وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ) أي: من عندنا ( ذِكْرًا ) وهو القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، الذي لم يعطَ نبي من الأنبياء منذ بعثوا حتى ختموا بمحمد -صلى الله عليه وسلم- كتابًا مثله ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق، وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه" (تفسير ابن كثير) .
وقال -تعالى-: ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) (الجاثية: 14،15) .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "يأمر الله -تعالى- عباده المؤمنين بحسن الخلق والصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله، أي: لا يرجون ثوابه ولا يخافون وقائعه في العاصين، فإنه -تعالى- سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون. فأنتم يا معشر المؤمنين يجزيكم على إيمانكم وصفحكم وصبركم ثوابًا جزيلًا، وهم إن استمروا على تكذيبهم فلا يحل بكم ما حل بهم من العذاب الشديد والخزي؛ ولهذا قال: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) (الجاثية: 15 ) " (انظر: تيسير الكريم الرحمن) .
