شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

يوم عاشوراء في القرآن الكريم (2-2)

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيقول ابن كثير -رحمه الله- في قصص الأنبياء: "لما تمادى قبط مصر على كفرهم، وعتوهم وعنادهم، متابعة لملكهم فرعون، ومخالفة لنبي الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران -عليه السلام- أقام الله على أهل مصر الحجج العظيمة القاهرة، وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار وحيَّر العقول، وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون ولا ينزعون ولا يرجعون، ولم يؤمن منهم إلا القليل!)، (وقيل: بل آمن به طائفة من القبط من قوم فرعون، والسحرة كلهم، وجميع شعب بني إسرائيل. ويدل على هذا قوله -تعالى-: ( ‌فَمَا ‌آمَنَ ‌لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) (يونس: 83) . والضمير في قوله -تعالى-: ( إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ) عائد على فرعون؛ لأن السياق يدل عليه.

"وإيمانهم كان خفية لمخافتهم من فرعون وسطوته، وجبروته وسلطته، ومِن ملأهم أن يَنِمُّوا عليهم فيفتنهم عن دينهم" (انظر قصص الأنبياء لابن كثير - ط. مكتبة حميدو - الإسكندرية - تحقيق عبد المعطي عبد المقصود محمد - 1410 هـ - 1990، ص 388 بتصرفٍ) .

وعند ذلك قال موسى -عليه السلام-: ( ‌يَا قَوْمِ ‌إِنْ ‌كُنْتُمْ ‌آمَنْتُمْ ‌بِاللَّهِ ‌فَعَلَيْهِ ‌تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ . فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (يونس: 84-86) ، فأمرهم بالتوكل على الله والاستعانة به والالتجاء إليه، فأتمروا بذلك، فجعل الله لهم مما كانوا فيه فرجًا ومخرجًا (المصدر السابق) .

وتأهب بنو إسرائيل فيما بينهم للرحيل إذا أمروا بذلك واستعانوا على ما هم فيه من الضر والضيق بكثرة الصلاة، كما في قوله -تعالى-: ( ‌وَاسْتَعِينُوا ‌بِالصَّبْرِ ‌وَالصَّلَاةِ ) (البقرة: 45 ) . قال -تعالى-: ( ‌وَأَوْحَيْنَا ‌إِلَى ‌مُوسَى ‌وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (يونس: 87) .

تحرك بني إسرائيل للخروج من مصر:

قال -تعالى-: ( ‌وَأَوْحَيْنَا ‌إِلَى ‌مُوسَى ‌أَنْ ‌أَسْرِ ‌بِعِبَادِي ‌إِنَّكُمْ ‌مُتَّبَعُونَ ) (الشعراء: 52) . والإسراء لغة: السير ليلًا، كما قال الله -تعالى-: ( ‌سُبْحَانَ ‌الَّذِي ‌أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) (الإسراء: 1) .

قال مفسرون -وقال غيرهم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى-: "استأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج لعيد لهم، فأذن لهم وهو كاره، ولكنهم تجهزوا للخروج (يعني من مصر) وتأهبوا له، وإنما كان في نفس الأمر مكيدة بفرعون وجنوده، ليتخلصوا منهم ويخرجوا عنهم" (المصدر السابق) .

وقام بنو إسرائيل فيما ذكره أهل الكتاب باستعارة حليٍّ من قبط مصر، فأعارهم المصريون حليًّا كثيرًا، فخرجوا بليل، فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم، طالبين بلاد الشام.

مواجهة غير متوقعة:

"فلما علم بذهابهم فرعون حنق عليهم كل الحنق، واشتد غضبه عليهم، وشرع في استحثاث جيشه وجميع جنوده ليلحقهم ويمحقهم؛ قال الله -تعالى-: ( ‌وَأَوْحَيْنَا ‌إِلَى ‌مُوسَى ‌أَنْ ‌أَسْرِ ‌بِعِبَادِي ‌إِنَّكُمْ ‌مُتَّبَعُونَ . فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) (الشعراء: 52-56) .

قال ابن كثير في تفسيره: "فلما أصبحوا وليس في ناديهم داعٍ ولا مجيب؛ غاظ ذلك فرعون، واشتد غضبه على بني إسرائيل، لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعًا في بلاده حاشرين، أي: من يحشر الجند ويجمعه: كالنقباء والحجاب، ونادى فيهم: ( إِنَّ هَؤُلَاءِ ) يعني بني إسرائيل ( لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ) أي: لطائفة قليلة ( وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ) أي: كل وقت يصل إلينا منهم ما يغيظنا ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) أي: نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد خضراءهم، فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم؛ قال -تعالى-: ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . ‌وَكُنُوزٍ ‌وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) أي: فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق، والملك والجاه الوفير في الدنيا ( كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) (الشعراء: 59) ، كما قال -تعالى-: ( ‌وَأَوْرَثْنَا ‌الْقَوْمَ ‌الَّذِينَ ‌كَانُوا ‌يُسْتَضْعَفُونَ ‌مَشَارِقَ ‌الْأَرْضِ ‌وَمَغَارِبَهَا ‌الَّتِي ‌بَارَكْنَا ‌فِيهَا ) (الأعراف: 137) ، وكما قال -تعالى-: ( ‌وَنُرِيدُ ‌أَنْ ‌نَمُنَّ ‌عَلَى ‌الَّذِينَ ‌اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ )" (تفسير القرآن العظيم) .

الصفحة التالية