شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (43) النمص والوصل والوشم (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .

- والنمص والوشم والوصل والتفليج، من الكبائر التي ورد في حقها تهديد ولعن؛ لما فيها من الغش والتدليس، والاعتراض على القدر بالتغيير للخلق: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والمُوتَشِمَاتِ، والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ. فَبَلَغَ ذلكَ امْرَأَةً مِن بَنِي أسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ، فَجَاءَتْ فَقالَتْ: إنَّه بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَقالَ: وما لي لا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، ومَن هو في كِتَابِ اللَّهِ؟ فَقالَتْ: لقَدْ قَرَأْتُ ما بيْنَ اللَّوْحَيْنِ، فَما وجَدْتُ فيه ما تَقُولُ، قالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لقَدْ وجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر: 7) ؟ قالَتْ: بَلَى، قالَ: فإنَّه قدْ نَهَى عنْه، قالَتْ: فإنِّي أرَى أهْلَكَ يَفْعَلُونَهُ، قالَ: فَاذْهَبِي فَانْظُرِي، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ، فَلَمْ تَرَ مِن حَاجَتِهَا شيئًا، فَقالَ: لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعَتْنَا" (متفق عليه) ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "لُعِنَتِ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، قال القرطبي -رحمه الله-: "وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن فاعلها، وأنها من الكبائر" (تفسير القرطبي) .

- الإشارة إلى انتشار هذه المنهيات في زماننا، وتهاون النساء بشأنها، بل انتقلت إلى الذكور المتخنثين، والمشاهير من الفنانين، ولاعبي الكرة، ونحوهم.

(1) المقصود بالنمص والوصل والوشم والتفليج:

- النمص هو: ترقيق الحواجب وتدقيقها طلباً لتحسينها، والنامصة التي تصنع ذلك بالمرأة، والمتنمصة التي تأمر من يفعل ذلك بها، والمنماص المنقاش.

- الوصل: الْوَاصِلَةِ: الَّتِي تَصِلُ الشَّعْرَ بِشَعْرِ النِّسَاءِ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ: الْمَعْمُولُ بِهَا.

- الوشم: وَهِي أَن تغرز الواشمة إبرة وَنَحْوهَا فِي شَيْء من بدن الْمَرْأَة حَتَّى يسيل الدَّم، ثمَّ تحشو ذَلِك الْموضع بكحل فيخضر، والمستوشمة هِيَ الَّتِي تطلب فعل ذَلِك بهَا، ومن الناس من ينقش على صدره امرأةً عاريةً، أو صليبًا، أو معبودَ كفار، أو عبارةً شركية، أو اسمَ محبوبته، ونحو ذلك.

- التفليج: وهو بَردُ الأسنان بالمِبْرد للتفريق بينها للحُسْن.

(2) حكم النمص والوصل والوشم والتفليج:

- دل حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- على تحريمها جميعًا؛ لما اقتضته من جلب اللعن لفاعلها، وإليك بعض كلام العلماء في ذلك:

أولًا: حكم النمص:

قال الطبري: "لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها، بزيادة أو نقص، التماس الحسن؛ لا للزوج ولا لغيره؛ كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما، توهم البلج، وعكسه" (نقله الحافظ في الفتح) ، أما إن كان لها شارب ولحية على غير المعهود فإنهم يقولون: لا بأس أن تزيل ذلك، بل بعضهم يقول: يستحب؛ كالنووي رحمه الله. (انظر: شرح النووي على مسلم 14/ 106) .

- فأين الرجال الذين يزيلون شعور وجوههم من ذلك؟ بل منهم مَن يتنمص كالنساء! فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَال:" لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ" (رواه البخاري) (1) .

ثانيًا: حكم الوشم:

- قال النووي: "هوَ حَرَامٌ عَلَى الْفَاعِلَةِ وَالْمَفْعُولِ بِهَا بِاخْتِيَارِهَا وَالطَّالِبَةِ لَهُ وَقَدْ يُفْعَلُ بِالْبِنْتِ وَهِيَ طِفْلَةٌ، فَتَأْثَمُ الفاعلة ولا تأثم الْبِنْتُ؛ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهَا حِينَئِذٍ" (شرح النووي على مسلم) .

- ماذا يفعل إذا تاب إلى الله من ذلك؟ قال العلماء: تجب إزالته إن أمكنه؛ إلا إن خاف منه تلفًا أو فواتَ منفعةَ عضو، فيجوزُ تركه، وتكفي التوبةُ في سقوط الإثم، ويستوي في هذا الرجل والمرأة، ويستره عن الناس ما أمكنه.

ثالثًا: حكم الوصل:

- الوصل (الباروكة ونحوها) لا تجوز للعروس المقبلة على الزواج؛ فغيرها أولى: عن أَسْمَاءَ -رضى الله عنها- قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَتي أصابَتْها الحَصْبَةُ، فامَّرَقَ شَعَرُها، وإنِّي زَوَّجْتُها؛ أفَأَصِلُ فِيهِ؟ فقالَ: ( لَعَنَ اللَّهُ الواصِلَةَ والمَوْصُولَةَ ) (متفق عليه) ؛ فكيف برجال يفعلون ذلك متشبهين كذلك بالنساء؟!

- وأين هؤلاء من أهل الورع؟! جاء رجل إلى ابن سيرين فسأله فقال: "إن أمي كانت تمشط النساء، أترى لي أن آكل من مالها وأرثه عنها؟ فقال: إن كانت لا تصل؛ فلا بأس" (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر) .

رابعًا: حكم التفليج:

- قال النووي -رحمه الله-: "وأما قوله: (المُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ) فمعناه: يفعلن ذلك طلبًا للحسن. وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلا بأس. والله أعلم" (شرح صحيح مسلم) .

- وأما عمليات تقويم الأسنان فغاية ما فيها إعادة الأسنان إلى وضعها الطبيعي، وإزالة ضرر يمنع من نطق بعض الحروف، أو استواء نطقها، أو تسبب بوضعها الحالي تحشي الأوساخ وبقايا الطعام في الأسنان، وتسبب أذى نفسياًّ للبعض من هجوم الفك إلى الإمام، ونحوه.

(3) حكمة تحريم النمص والوشم والوصل والتفليج:

الصفحة التالية