شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزة رمز للعزة (12) إسرائيل: استعمار وعنصرية وبطش وإبادة

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تأثرت الحركة الصهيونية الحديثة عند نشأتها بما ساد أوروبا في ظل النهضة الأوروبية الحديثة من تبني الفكر القومي والأخذ بالنزعة الاستعمارية، والفكر القومي يقوم -كما هو معلوم- على الشعور والاعتزاز بالانتماء إلى قوم أو عرق أو جنس مع التعصب لذلك الانتماء، بينما تقوم النزعة الاستعمارية -كما هو معلوم- على الاستيلاء على ممتلكات الغير من أرض أو ثروات سواء بشكل مباشر باستخدام القوة العسكرية المباشرة أو بشكل غير مباشر ببسط السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية على الغير فيصبح خاضعًا له منقادًا إليه حتى بدون احتلال عسكري.

وقد قامت الدولة الأوروبية الحديثة بعد الثورة الفرنسية عام 1789 على توجهات ثلاثة: العلمانية والقومية والديموقراطية كلها مجتمعة معًا.

وقد مارست الدول الأوروبية القوية منها السياسة الاستعمارية المباشرة ضد الشعوب الضعيفة، وتوسعت في ذلك؛ خاصة في القرن التاسع عشر الميلادي وحتى الحرب العالمية الأولى في القرن العشرين، وأصبح لها مستعمرات تخضع لها مباشرة في قارات العالم المختلفة إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وقد تأثر قادة الحركة الصهيونية الحديثة بداية من (تيودور هرتزل) مؤسس الحركة في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ومَن قاد الحركة مِن بعده على ما ساد دول أوروبا الغربية في تلك الفترة من النزعة القومية والنزعة الاستعمارية من خلال العمل على إقامة دولة قومية لليهود تستعمر أرضا تقيم عليها دولتها.

وقد عمل قادة الحركة الصهيونية بقوة على إغراء الدول الأوروبية بتأييد فكرة إقامة دولة يهودية على النهج الأوروبي الحديث في فلسطين، فتكون هذه الدولة الناشئة ملاذًا يأوي إليه يهود العالم؛ خاصة يهود أوروبا، فتنتهي بذلك مشكلة اليهود في أوروبا وتكرر اضطهادهم فيها، على أن تكون هذه الدولة بنهجها الغربي وخلفيتها الاستعمارية رأس حربة للغرب في مواجهة شعوب المنطقة العربية، وهو ما أشار هرتزل في كتابه (الدولة اليهودية) في قوله: (بالنسبة لأوروبا سنقيم هناك - أي: في فلسطين- جزءًا من السور المضاد لآسيا، وسنكون -أي: اليهود الذين سينتقلون إلى فلسطين ويتخذونها وطنًا- حراس الحضارة المتقدمي الموقع ضد البربر) يعني بالبربر الشعوب العربية حول فلسطين التي هي في نظر الغرب متخلفة عن الحضارة الأوروبية.

وبعد وفاة هرتزل نجح (حاييم وايزمان) الذي خلف هرتزل في زعامة الحركة الصهيونية في الحصول من بريطانيا على وعد من وزير خارجيتها بلفور في عام 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ومن هذا الفكر والمنطلق تبنت إنجلترا والتي كانت وقتها دولة استعمارية عظمى فكرة إقامة وطن لليهود على حساب شعب فلسطين بموافقة ومباركة ضمنية من دول أوروبا الغربية من خلال عصبة الأمم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد الحرب العالمية الثانية وأفول نجم إنجلترا تولت وريثتها الولايات المتحدة الأمريكية هذا التبني.

وكما ارتبط الاستعمار الأوروبي بالنظرة العنصرية التي ترى علو الرجل الأوروبي الأبيض على غيره، وأنه هو الأحق بأن يتملك ويسود، فقد ارتبطت النظرة الاستعمارية الصهيونية بنظرة عنصرية مستمدة من ديانتهم التي حرفوها، والتي ترى أن اليهود دون غيرهم من الشعوب والأجناس هم شعب الله المختار الذي يجب أن يسود العالم كله ويحكمه بما فيهم الفلسطينيين والعرب.

يقول المفكر روجيه جارودي: (والديمقراطية الإسرائيلية يشوبها تمييز عنصري أساسي كما هو الحال في كل المستعمرات، حيث يتمتع الرجل الأبيض وحده بالحكم. ويمكن مقارنة هذه الديمقراطية الإسرائيلية العجيبة بالديمقراطية الأمريكية التي نادت في تصريح الاستقلال بالمساواة بين الناس جميعًا، ثم أبقت الرق طيلة قرن من الزمان بأكمله بالنسبة للسود، وأطلقت عليهم تأدبًا منها اسم المؤسسة الخاصة، كما سمحت بمطاردة الهنود الحمر فكانوا يذبحون ويطردون من أراضيهم. فإسرائيل إذًا دولة ديمقراطية إلا بالنسبة لزنوجها ولهنودها التي تطلق عليهم القوانين الأساسية في إسرائيل تأدبًا منها السكان غير اليهود) (ملف إسرائيل، ص 112، 113) .

وسياسة التفرقة العنصرية المنبثقة عن النظرة العنصرية تهدف وترمي إلى إقامة دول يفصل داخلها بين الأجناس والأعراق الموجودة فيها، فيتم تخصيص جنس أو عرق بكل الامتيازات العالية، ويحرم منها من سواهم في نفس الوطن، كما كان الفصل العنصري بين البيض والسود الذي كان سائدًا في المستعمرات الأوروبية في إفريقيا، وأشهرها ما كان في دولة جنوب إفريقيا قبل تخلصها من هذه التفرقة العنصرية.

وللتمييز العنصري صور، منها:

- التحيز العنصري: أي: التحيز إلى جنس ضد جنس آخر أو أجناس آخرين.

- الاضطهاد العنصري: يجمع بين التحيز لجنس واضطهاد الجنس الآخر.

- الفصل العنصري: الذي يجمع إلى جانب التحيز لجنس والاضطهاد لآخر فصل الجنس الآخر المضطهد وعزله عن الجنس الآخر اجتماعيًّا.

وهذا الفصل العنصري هو ما مارسته الصهيونية وتمارسه بقوة ضد الفلسطينيين منذ قيام دولة إسرائيل، ومن مظاهر هذا الاضطهاد والفصل العنصري الذي مارسته وتمارسه إسرائيل منذ قيامها ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين:

- إصدار قانون في يوليو 1950 يعطي أي يهودي في العالم الحق ما أسموه بحق العودة (أي: الهجرة) إلى إسرائيل (أي: إلى فلسطين المحتلة)، مع تيسير حصوله على الجنسية الإسرائيلية بمجرد وصوله لأرض فلسطين. هذا بينما ترفض إسرائيل وبشكل قاطع منح حق العودة لأي لاجئ فلسطيني إلى أرض فلسطين، بل ولا تعطي إسرائيل هذه الجنسية الإسرائيلية للفلسطينيين من المولودين أو المقيمين في فلسطين لمنع حصولهم على حق المواطنة، ولا تمنح الجنسية لأي فلسطيني إلا بشروط صعبة وبموافقة شخصية من وزير داخلية إسرائيل لذا نجد كثيرًا من الفلسطينيين الذين يعيشون على أرض فلسطين يعاملون فيها كأجانب بلا جنسية.

الصفحة التالية