غزة رمز للعزة (13) التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن أوجه التشابه العديدة بين حرب السادس من أكتوبر 1973 (العاشر من رمضان 1373هـ) وطوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 (22 ربيع الأول 1445هـ) الدور الكبير غير العادي الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في إنقاذ إسرائيل في تلك الكارثتين العظيمتين؛ ففي حرب أكتوبر عقب تخطي القوات المصرية لخط بارليف وإسقاطه في بدايات المعركة، ثم فشل الهجوم الإسرائيلي المضاد في الثامن من أكتوبر، وما ترتب على ذلك من فقد الجيش الإسرائيلي لجزء كبير من دباباته ومدرعاته وطائراته؛ سارعت الولايات المتحدة بتعويض إسرائيل عن كل خسائرها في الدبابات والمدرعات والطائرات، بل وإمدادها بأحدث الأسلحة الأخرى الموجودة في ترسانتها، عن طريق جسر جوي سريع لتصل إمداداتها إلى ساحة المعركة في سيناء مباشرة!
إلى جانب تقديم كل خبراتها العسكرية ومعلوماتها الاستخبارية المتعلقة بتطورات المعركة الدائرة على كل القطاعات في سيناء أولًا بأول، وهو ما ساهم في بقاء إسرائيل رغم الهزيمة الفادحة التي تمت في أيام الحرب الأولى وكانت تنذر بسقوط الجبهة الجنوبية لإسرائيل بالكلية، بل ساهم ذلك في تكرار محاولات القوات الإسرائيلية لزحزحة القوات المصرية شرق القناة وإعادتها لغرب القناة، والتي أسفرت عن حدوث ثغرة الدفرسوار.
وبعد أحداث الثغرة ومحاصرة عشرات الآلاف من القوات الإسرائيلية الموجودة غرب القناة والتخطيط لتصفية الثغرة ومَن فيها بالقوة العسكرية، سارع هنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا وقتها بالتهديد بالتدخل العسكري الأمريكي المباشر لإنقاذ القوات الإسرائيلية غرب القناة، وانتهى الأمر بمفاوضات فض الاشتباك، وما تلاها من انسحاب القوات الإسرائيلية من غرب القناة.
وفي أعقاب طوفان الأقصى الذي تسبب في صدمة كبيرة لإسرائيل ترتَّب عليها تأثر الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة تأثر السياحة، وارتفاع الهجرة إلى خارج إسرائيل، وتأثر القوة العاملة من جراء استدعاء مئات الألوف من قوات الاحتياط من أعمالهم المدنية، والدخول بهم في حرب برية طويلة مكلفة، وتأثَّر الإنتاج القومي بذلك؛ مما ترتب عليه انخفاض قوة العملة الإسرائيلية بشدة؛ فسارعت الولايات المتحدة إلى تقديم العون المادي والعسكري بسخاء لتعويض إسرائيل كل ما خسرته، ولزيادة قدرات إسرائيل على الاستمرار في عدوانها الغاشم على قطاع غزة، واستخدام أمريكا نفوذها في الأمم المتحدة أربع مرات لمنع صدور أي إدانة لإسرائيل في حرب إبادتها ضد الفلسطينيين، أو وقف تماديها في قتل وتشريد الفلسطينيين.
وهنا يكمن السؤال: لماذا تتبنى الولايات المتحدة الحفاظ على وجود إسرائيل ودعمها عبر عقود؛ خاصة في حروبها وأزماتها؟ ولماذا تعتبر استمرار وجود إسرائيل وسلامتها واجبًا عليها؟
نحاول هنا بيان الجواب على ذلك:
إسرائيل دولة وظيفية:
دأبت سياسات بعض الدول أنها تخصص مجموعة بشرية من داخل المجتمع تسند إليها مهامًا أو وظائف أو أعمالًا، لا يمكن للدولة الاضطلاع بها في سياستها المعلنة؛ لكونها قد تكون في نظر المجتمع والدول الأخرى ككل والمجتمع الدولي وظائف ومهام مشينة، لا تحظى بالاحترام في سلم القيم والأخلاق السائدة، والمجتمع ككل يريد الحفاظ على قيمه ومثله، وقد يكون اللجوء إلى تلك المجموعة؛ لسد فجوة، أو تحقيق رغبة أو حاجة لا يمكن إشباعها والوفاء بها من خلال سياسات الدولة المعلنة؛ لكونها مشينة لها، وغالبًا ما تكون هذه الوظائف والمهام ذات حساسية خاصة أو يكون لها طابع أمني.
وبالطبع يتوارث أعضاء هذه المجموعة الوظيفية خبراتهم في مجالهم الوظيفي ويتوحدون معها، وتكون لهم بذلك هويتهم ورؤيتهم الخاصة للأمور؛ يتعاملون ويعاملون بمقتضاها، ويتقبل المجتمع هذه المجموعة الوظيفية من خلال وظيفتهم تلك، ورؤيتهم ذات البعد الواحد المجرد بعيدًا عن الأبعاد الأخرى الأخلاقية أو الإنسانية أو المثالية.
وبالتالي تكون علاقة المجتمع بتلك المجموعة علاقة نفعية تقوم على الحياد والوقوف على مسافة منها، بينما تكون العلاقة قريبة وقوية بين النخبة الحاكمة وتلك المجموعة؛ لذا فهي تدعمها بما يضمن لها الاستمرارية والبقاء والتفوق، وفي المقابل: فإن هذه المجموعة يكون ولاؤها التام دائمًا لهذه النخبة الحاكمة، وهي وسيلة وأداة لتلك النخبة لخدمة مصالحها بوسائلها التي قد تكون وسائل مشينة لا يمكن أن تمارسها الدولة في سياساتها المعلنة أمام الجميع.
وبالتالي يعد تحقيق المنفعة والمصلحة بوجود تلك المجموعة مبررًا كافيًا لوجودها ودعمها لاستمرار دورها، والعضو في هذه المجموعة يصير جزءًا منها يحمل هويتها ورؤيتها، وهو في نفس الوقت أداة من أدوات النخبة الحاكمة لتحقيق أهداف تراها تلك النخبة دون أن تتورط فيها بصورة معلنة.
وعلى هذا النحو تعمل الدول الاستعمارية على المستوى العالمي، فتوظف فئة في دولة ما، أو توظف دولة في منطقة ما، تقوم بإيجادها ودعمها وتضمن لها البقاء والقوة لتحقيق مصالح متبادلة لا تحدث إلا من خلال وسائل لا أخلاقية أو مشينة ليس من مصلحة تلك الدولة ممارستها بصورة معلنة وصريحة، فيتم ممارستها وتحقيقها عن طريق فئة أو دولة عميلة.
ومن ذلك: استغلال الدول الاستعمارية وجود الأقليات في بعض الدول لتحويلها إلى مجموعة وظيفية تدين لها بالولاء وتحقق لها مصالحها، وتضمن هي لها البقاء والقوة، تثير المشاكل وتحدث الانشقاقات، وتضعف من شأن الدولة التي تعيش فيها.
قال دكتور عبد الوهاب المسيري: "ويحاول الاستعمار دائمًا أن يحول أعضاء الأقليات إلى جماعات وظيفية يسندها إليها، وتتمتع بمزايا تقدمها لها حتى تدين له بالولاء" (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - د. عبد الوهاب المسيري - دار الشروق - ط. الخامسة 2009 - المجلد الأول، ص 28) .
وتعد دولة إسرائيل المقامة على أرض فلسطين العربية مثالًا واضحًا للدولة الوظيفية التي أوجدها ودعمها ويدعمها الاستعمار بقوة؛ سواء الاستعمار في ثوبه القديم (إنجلترا) أو في ثوبه الجديد (الولايات المتحدة).
