غزة رمز للعزة (13) التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
قال د. عبد الوهاب المسيري عن الدولة الوظيفية: "يرتبط بمفهوم الجماعة الوظيفية مفهوم الدولة الوظيفية، والدولة الوظيفية هي الدولة التي تؤسس أو يعاد صياغة توجهها أو توجه نخبتها الحاكمة لتضطلع بوظيفة معينة، ويصبح جوهرها هو هذه الوظيفة؛ فالدولة الوظيفية هي الدولة التي تشكل إعادة إنتاج لدور الجماعة الوظيفية في العصر الحديث" (المصدر السابق) .
ثم يضيف د. عبد الوهاب المسيري إلى كلامه تعريفه للدولة الصهيونية الوظيفية -يعني إسرائيل- بقوله: "الدولة الصهيونية الوظيفية دولة تتسم بكل سمات الجماعة الوظيفية، فهي تدخل في علاقات تعاقدية مع الغرب (خدمة المصالح الغربية نظير أن يقوم الغرب بحمايتها)، وهي دولة (جيتو / قلعة منعزلة) عن محيطها الحضاري ذات رؤية حلولية كمونية، فهي تتصور أنها منفصلة عن الزمان والمكان، ولديها إحساس عميق بتفوقها ورسالتها المقدسة، تتبنى أخلاقيات مزدوجة في علاقاتها مع الذات، ومع الآخر" (المصدر السابق) .
عجز الدولة الوظيفية:
تحتاج الدولة الوظيفية إلى راعٍ يحميها، ويكفل لها أمنها ومستواها المعيشي نظير أن تقوم هي على خدمته ورعاية مصالحه ضد أعدائه.
قال د. عبد الوهاب المسيري: "وظلت إنجلترا الراعية الأساسية الشاملة للجيب الصهيوني، توظف الدولة الوظيفية لحسابها ولحساب الحضارة الغربية، وحينما بدأت الولايات المتحدة قيادة التشكيل الاستعماري الغربي تراجع الدور الإنجليزي، وأصبحت الولايات المتحدة راعية الجيب الوظيفي الإسرائيلي ومظلته الواقية"، و"تقوم الدولة الراعية بدعم الدولة الوظيفية حتى يمكنها الاستمرار في وظيفتها بكفاءة"، "وقد تزايد الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى أن أصبحت الدولة الوظيفية معتمدة تمامًا عليها"، "وقد أصبح حجم هذه المساعدات من الضخامة بحيث تتضاءل بجواره المساعدات التي يرسلها يهود العالم" (المصدر السابق - المجلد الثاني، ص 384، 385 بتصرفٍ) .
ويضيف: "ورغم هذا الاعتماد الكلي على الدولة الراعية تتمتع الدولة الوظيفية الصهيونية بقدر من الاستقلال النسبي، وقد يبدو هذا لأول وهلة وكأنه تناقض، ولكن التناقض سيختفي تمامًا إن تذكرنا أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لا يشكل جزءًا عضويًّا من الاستعمار الغربي، وإنما هو مجرد آلة في يد الغرب"، "وقد قام الصهاينة بطرد الفلسطينيين فعلًا وأنشأوا دولتهم الصهيونية المستقلة، ولكن التطورات التاريخية أظهرت أن الجيب الصهيوني يعتمد على قوة غربية عظمى اعتمادًا كاملًا، ولكنه في الوقت نفسه يتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلال؛ مثل هذا الوضع الشاذ يمكن إرجاعه إلى عدة عوامل خاصة بالصهيونية وحدها، فالمستوطنون الصهاينة لم ينشئوا في دولة أوروبية واحدة يدينون لها وحدها بالولاء، وتقدم هي لهم بدورها الحماية والمأوى في حالة تصفية الجيب الاستيطاني"، "فالعلاقة بين المستوطنين الصهاينة والدولة الغربية التي ترعاهم تستند إلى المصلحة المشتركة، فهي علاقة تعاقدية نفعية، وليست نتاج روابط حضارية عميقة أو عضوية؛ ولذا فإن الجيب الصهيوني لا يتمتع بالحماية الدائمة من جانب دولة واحدة، وإنما يتمتع بالحماية المؤقتة من جانب عدد من الدول (الواحدة تلو الأخرى)؛ ولعل هذا يفسر سبب انتقال القيادة الصهيونية من مركز جذب إلى آخر، ولكن بسبب هذا الوضع نفسه حقق الجيب الاستيطاني قدرًا كبيرًا من الاستقلال" (المصدر السابق، ص 385 بتصرفٍ) .
"هذا الإيقاع المركب من الجذب والتنافر، من الحكم الذاتي والاعتماد المذل، ومن التحالف مع الدولة الحامية والصراع معها، هو الذي ميَّز العلاقات الصهيونية الغربية منذ البداية. وقد حاول كل جانب أن يستغل الآخر، وأن يحدد منطقة المصالح المشتركة بطريقة تخدم مصالحه هو أساسًا، فالصهاينة لم يتمكنوا من اكتساب موطئ قدم في الأرض الفلسطينية إلا من خلال وعد بلفور والانتداب البريطاني"، "ولم يشدد المستوطنون الصهاينة قبضتهم على الأرض ولم يتزايد عددهم إلا بعد تعاونهم الكامل مع حكومة الانتداب، وهو الأمر الذي أدى في نهاية الأمر إلى الانتصار الصهيوني عام 1948؛ أي: أن الراعي الإمبريالي لعب دوره كاملًا تجاه الجماعة الوظيفية الاستيطانية حتى تحولت إلى دولة وظيفية استيطانية" (المصدر السابق، ص 385 -386) .
"ويعقد الموقف تمتع يهود العالم بدرجة من الاستقلال النسبي، وإن كانوا يشكلون في الوقت نفسه جزءًا من كيان أكبر يخضعون لقوانينه وتوجيهاته؛ فالأمريكيون اليهود يمدون إسرائيل بالمساعدات المالية والسياسية بحماس شديد، ولكن مثل هذه المساندة ستستمر ما دامت هناك مصالح مشتركة أساسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ويلعب الصهاينة التوطينيون دورًا مزدوجًا، فهم يقومون بالضغط على الولايات المتحدة لتحصل إسرائيل على درجة من الحرية والاستقلال أكثر من أي دولة أخرى تابعة، ولكنَّ هؤلاء التوطنيين كثيرًا ما يجدون أنفسهم مضطرين في مرحلة ما (وهنا تكمن سخرية الموقف) إلى أن يمارسوا الضغط على إسرائيل عندما تقرر الولايات المتحدة أنه ينبغي على إسرائيل أن تغير سياستها بطريقة تتماشى مع المصالح الدولة الأمريكية.
إن تاريخ الصهيونية مليء بالتوترات؛ ليس بين الصهيونية ويهود العالم فحسب، ولكن بين الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية كذلك. ومهما يكن الأمر فإن علاقة الشد والجذب تبين مدى تعاقدية العلاقة ونفعيتها" (المصدر السابق، ص 386) .
مختصر تاريخ التحالف الأمريكي الإسرائيلي:
قال د. المسيري: "لا شك أن القوى الاستعمارية هي التي تبنت المشروع الصهيوني، وتكفلت برعايته ووفرت له كل أسباب النجاح. وحتى الحرب العالمية الثانية كانت أوروبا هي القاعدة المركزية للنشاط الصهيوني، وكانت بريطانيا الدولة العظمى التي تقود عملية إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين؛ أما بعد التحولات التي أخذت تتبلور مع الحرب العالمية الثانية فإن النشاط الصهيوني سارع في الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية مركز القوة الجديد في الغرب، فكانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها في 15 مايو 1948.
