شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (44) اليمين الغموس (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة، التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال الله -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .

- ومن الكبائر المهلكة لصاحبها في الدنيا والآخرة "اليمين الغموس": روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: ( الْإِشْرَاكُ بِاللهِ ). قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ( ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ). قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ( الْيَمِينُ الْغَمُوسُ )، قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: ( ‌الَّذِي ‌يَقْتَطِعُ ‌مَالَ ‌امْرِئٍ ‌مُسْلِمٍ ‌هُوَ ‌فِيهَا ‌كَاذِبٌ ).

- الإشارة إلى تساهل كثير من الناس بأيمانهم: فأصبح البعض يحلف بالله في كثير من أحاديثه وأقواله، وفي بيعه وشرائه، وفي كل أمر يعِدُ به غيره؛ لحاجة أو لغير حاجة! حتى وقع كثير منهم في اليمين الكاذبة (اليمين الغموس) -والعياذ بالله-؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: "ولهذا إذا كانت اليمين غموسًا، كانت من الكبائر الموجبة للنار، كما قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (آل عمران: 77) ، وذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في عدِّ الكبائر، وذلك أنه إذا تعمد أن يعقد بالله ما ليس منعقدًا به فقد نقص الصلة التي بينه وبين ربه، بمنزلة مَن أخبر عن الله بما هو منزَّه عنه أو تبرأ من الله.

أنواع اليمين:

- اليمين ثلاثة أقسام: يمين لغو، ويمين منعقدة، ويمين غموس.

- فأما يمين اللغو: فهي الحلف من غير قصد اليمين، كقول الرجل حينما يسأل عن حاله: أنا والله بخير؛ فهو لا يقصد الحلف؛ ولذلك لا يؤاخذ عليه، ولا كفارة فيه: قال -تعالى-: ( لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) (البقرة: 225) .

- وأما اليمين المنعقدة: فهي اليمين التي يقصدها الحالف، وتكون على أمر مستقبل أن يُفعل أو يُترك، ويؤكد ويصر عليها؛ فهي يمين متعمدة مقصودة وليست لغوًا يجري على اللسان: ( لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ) (المائدة: 89) .

- وهذه اليمين فيها الكفارة إذا حنث: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا؛ فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) (المائدة: 89) .

- وأما اليمين الغموس: فهي تلك اليمين التي يحلفها الرجل، وهو يعلم أنه كاذب فيها، وإثمها يشتد وجرمها يعظم إذا اقترنت بأخذ مال امرئ مسلم بغير حق. قال المنذري: "سميت غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم في الدنيا وفي النار في الآخرة"، وهذه اليمين الغموس لا كفارة فيها عند جمهور الفقهاء.

الترهيب من اليمين الكاذبة:

- لقد عظم الإسلام شأن اليمين، وحذر من التساهل بها؛ لأنها عهد وميثاق يجب أن يُعطى حقه: قال الله -تعالى-: ( وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ) (المائدة: 89) . قال القرطبي: "المعنى: أقلوا الأيمان؛ لما فيه من البر والتقوى؛ فإن الإكثار يكون معه الحنث، وقلة رعي لحق الله -تعالى-".

- صاحب الأيمان الكاذبة قدوته في ذلك إبليس: فهو أول من سن اليمين الكاذبة يوم أن حلف لآدم وحواء أنه لهما لمن الناصحين؛ قال -تعالى-: ( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) (الأعراف: 21) .

- الأيمان الكاذبة شعار أهل النفاق: قال -تعالى-: ( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ) (التوبة: 74) ، وقال عنهم: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (المجادلة: 14) .

- وقد أنزل الله في أصحاب اليمين الغموس قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة يبيِّن عقوبتهم في الآخرة: فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ )، فأنزل الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (آل عمران: 77) . فَجَاءَ الْأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ‌كَانَتْ ‌لِي ‌بِئْرٌ ‌فِي ‌أَرْضِ ‌ابْنِ ‌عَمٍّ ‌لِي، ‌فَقَالَ ‌لِي: ‌شُهُودَكَ، قُلْتُ: مَا لِي شُهُودٌ، قَالَ: فَيَمِينُهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَحْلِفَ، فَذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الْحَدِيثَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ. (متفق عليه) .

الصفحة التالية