الكبائر (44) اليمين الغموس (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- قصة من واقع الحياة: أحدهم كان بينه وبين من يدعي عليه بمبلغ مالي كبير مجلس قضائي، وقد أنكر المدعى عليه المبلغ كليًّا، فطلب منه القاضي اليمين في تلك اللحظة لعدم توفر البينة لدى المدعي، فقام المدعى عليه وردد اليمين كاذبًا خلف القاضي، وخرج مزهوًّا بنفسه وبنصره، والآخر يدعو عليه. وما هي إلا لحظات ويصاب بعدها حالف اليمين بحادث مروري مروع، أصيب فيه بعدة إصابات خطيرة أدخل على إثرها للعناية المركزة؛ فسارع وهو في العناية المركزة وطلب من أقاربه إعادة المبلغ لصاحبه حيث اعترف أنه حلف يمينًا كاذبة.
- هناك مِن الناس مَن يتورع عن الأمور الكبيرة والأموال الطائلة، لكنه قد يقع في أمور يظن أنها من المحقرات، ولا يدري المسكين خطورة ذلك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ )، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَان شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللِه؟ قَالَ: ( وإنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ) (رواه مسلم) .
- ومن أكثر ما يكون من صور ذلك خطورة: تلك الأيمان الكاذبة في البيع والشراء؛ فعن أبي ذرٍّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ مِرَارٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ( الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ) (رواه مسلم) .
- ما يلزم مَن حلف اليمين الغموس؟ قال العلماء: تلزمه التوبة الصحيحة بشروطها، مع رد الحقوق لأصحابها، واختلفوا في لزوم الكفارة عليه؛ فجماهير السلف والخلف على عدم الكفارة؛ لأن ذنبه أعظم من ذلك؛ قال ابن مسعود: "كُنَّا نَعُدُّ الذَّنْبَ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِين الْغَمُوس". وعن سعيد بن المسيب قال: "هي من الكبائر وهي أعظم من أن تكفر" (نقله ابن قدامة في المغني) .
- تنبيهات مهمة: قد يتحايل بعض الناس على اليمين الغموس، فيحلف فيكذب إذا استحلف، يظنه من التعريض الجائز، ولا يدري أن اليمين على نية المُسْتَحْلِفِ وليس على نية الحالف، ولا يجوز التورية فيه؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ ) (رواه مسلم) . وفي رواية: ( يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ ) (رواه مسلم) . قال النووي: "إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَحَلَّفَهُ الْقَاضِي فَحَلَفَ وَوَرَّى فَنَوَى غَيْرَ مَا نَوَى الْقَاضِي؛ اِنْعَقَدَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ الْقَاضِي وَلَا تَنْفَعُهُ التَّوْرِيَةُ ".
- ولا يجوز الحلف بغير الله -عز وجل-، وهو من الشرك: (والأمانة، وشرفي، والذمة، والنعمة، ورأس أبي، وحق هذا الطعام، ونحو ذلك): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) . وقال عبد الله بن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا". قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- معلقًا على كلام ابن مسعود: "لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك".
خاتمة: إن شأن اليمين عند الله عظيم، والتساهل بها أمر جسيم؛ فليست اليمين مجرد كلمة تمر على اللسان، ولكنها عهد وميثاق سيسأل عنه العبد يوم القيامة، فينبغي للمؤمن أن يعظم اليمين، خاصة في باب الأموال والحقوق، ولو كانت يسيرة، ويوقر الله، ويكون صادقًا، ولا يحلف إلا على حق ثابت كالشمس. وقد كان كثير من أهل الورع يتوقون الحلف في الخصومة عند الحاكم، ولو أفضى ذلك بهم إلى التنازل عن حقهم؛ خشية الوقوع في الوعيد .
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت .
