غزة رمز للعزة (14) بين الصهيونية والنازية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ولا يخفى أن هذه الأطروحات الأساسية للنازية ليست غريبة على أطروحات الحضارة الغربية الحديثة التي شكلت -وتشكل- الإمبريالية الغربية، والتي استقت منها أيضًا الحركة الصهيونية فكرها كحركة قومية استعمارية نبتت في أجواء هذه الحضارة الأوروبية الحديثة. "وبالفعل حظيت الحركة النازية في البداية بتأييد رأسمالي غربي؛ لأنها كانت تنظر إلى الاتحاد السوفيتي باعتباره العدو الأكبر (السلافي) للحضارة الآرية، ومن ثم كان الرايخ الثالث (الألماني) من هذا المنظور يشكل قلعة ضد الزحف السلافي الشيوعي"، "ثم تحالف الغرب الرأسمالي مع الشرق الاشتراكي ضد هتلر؛ لا دفاعًا عن المبادئ، ولكن لأنه بدأ يهدد مصالحهما معًا" (انظر: موسوعة د. المسيري - 1/ بتصرف) .
قال د. المسيري: "إن جوهر الفكر النازي متمثلًا في كتابات أدولف هتلر (وغيره من المفكرين النازيين) لا يختلف كثيرًا عن فكر سير آرثر بلفور صاحب الوعد المشهور (وغيره من الساسة والمفكرين الاستعماريين". فكلٌّ من: هتلر وبلفور، يدور داخل الإطار الإمبريالي العرقي المبني على الإيمان بالتفاوت بين الأعراق، وعلى حل مشاكل أوروبا عن طريق تصديرها، وكلاهما مؤمن بفكرة الشعب العضوي، وكلاهما يرى في اليهود عنصرًا غير مرغوب فيه، ويؤكد من ثم ضرورة وضع حل نهائي للمسألة اليهودية في أوروبا، وكلاهما لا يلتزم بأية منظومة أخلاقية سوى منظومة المنفعة المادية ومنظومة الصراع الداروينية. وقد تم الحل النهائي في حالة بلفور بنقل (ترانسفير) اليهود خارج إنجلترا وأوروبا إلى فلسطين" (انظر: المصدر السابق) .
ويضيف د. المسيري: "ولعل أكبر دليل على أن الصهيونية جزء أصيل من الحضارة الغربية: أن الغرب يحاول تعويض اليهود عما لحق بهم على يد النازيين بإنشاء الدولة الصهيونية على جثث الفلسطينيين، وكـأن جريمة أوشفيتس (وهو من أشهر معسكرات الاعتقال للنازيين) يمكن أن تمحى بارتكاب جريمة دير ياسين أو مذبحة بيروت أو مذبحة قانا. وقد أنجزت الصهيونية ما أنجزت من اغتصاب للأرض وطرد وإبادة للفلسطينيين من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي، واستخدمت كل أدواته من غزو وقمع وترحيل وتهجير. والغرب الذي أفرز هتلر وغزواته هو نفسه الذي ينظر بإعجاب إلى الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان وبيروت وأنحاء أخرى من العالم العربي. وهو الذي ينظر بحياد وموضوعية داروينية للجريمة التي ارتكبت وترتكب يوميًّا ضد الشعب الفلسطيني" (انظر المصدر السابق، ص 197) .
أوجه الشبه بين الصهيونية والنازية:
1- التشابه في خطابهما: "كلاهما يستخدم مصطلحات القومية؛ مثل: الشعب العضوي (فولك)، والرابطة الأزلية بين الشعب وتراثه وأرضه، والشعب المختار". وقد سُئِل هتلر عن سبب معاداته لليهود، فكانت إجابته قصيرة بقدر ما كانت قاسية: "لا يمكن أن يكون هناك شعبان مختاران؛ نحن وحدنا شعب الله المختار! هل هذه إجابة شافية؟!" (الموسوعة - د. المسيري، 1/ 198) .
فالصهيونية كالنازية؛ تقوم على أن الرابطة بين اليهود وأرضهم هي رابطة الدم والتربة، ومن ثم تطالب بضرورة العودة إلى فلسطين؛ حيث توجد التربة التي يمكن للدم اليهودي أن يتفاعل معها ويبدع من خلالها.
- استخدام النازيين والصهاينة -على حدٍّ سواء- الخطاب المبني على القوة وإسقاط القيمة الأخلاقية؛ "إذ يستخدم الصهاينة شأنهم في هذا شأن النازيين مصطلحًا محايدًا، فهم لا يتحدثون عن طرد الفلسطينيين، وإنما عن تهجيرهم أو دمجهم في المجتمعات العربية، وهم لا يتحدثون عن الاستيلاء على القدس وإنما عن توحيدها، ولا على الاستيلاء على فلسطين أو احتلالها، وإنما على استقلال إسرائيل، أو عودة الشعب اليهودي إلى أرض أجداده" (المصدر السابق) .
2- التشابه في ادعاء النقاء العرقي.
3- الأصول الألمانية للزعماء الصهاينة: فنلاحظ "الأصول الألمانية الراسخة للزعماء الصهاينة الذين صاغوا الأطروحات الصهيونية الأساسية. فـ(تيودور هرتزل) و(ماكس نوردو) و(ألفريد نوسيج) و(أوتو) و(وربورج) كانوا إما من ألمانيا أو النمسا، يكتبون بالألمانية ويتحدثون بها، كما كانوا ملمين بالتقاليد الحضارية الألمانية ويكنون لها الإعجاب"، "وقد غير هرتزل اسمه من (بنيامين) إلى تيودور حتى يؤلمن اسمه، وسمى (ماكس نوردو) نفسه بهذا الاسم؛ لإعجابه الشديد بالنورديين". ولا يختلف زعماء يهود اليديشية عن ذلك، فلغتهم اليديشية هي رطانة ألمانية أساسًا.
ومن جهة أخرى: كانت الألمانية لغة المؤتمرات الصهيونية الأولى، كما توجه الزعماء النقل الصهاينة أول ما توجهوا لقيصر ألمانيا لكي يتبنى المشروع الصهيوني. وأكد جولدمان أن هرتزل وصل إلى فكرته القومية (العضوية) من خلال معرفته بالفكر والحضارة الالمانيين. وكان كثير من المستوطنين الصهاينة يكنون الإعجاب بالنازية، وأظهروا تفهما عميقًا لها ولمثلها ولنجاحها في إنقاذ ألمانيا، بل عدوا النازية حركة تحرر وطني. وسجل حاييم كابلان، وهو صهيوني كان موجودًا في جيتو وارسو (حين كان تحت الحكم النازي)؛ أنه لا يوجد أي تناقض بين رؤية الصهاينة والنازيين للعالم فيما يخص المسألة اليهودية، فكلتاهما تهدف إلى الهجرة، وكلتاهما ترى أن اليهود لا مكان لهم في الحضارات الأجنبية" (المصدر السابق، ص 199) .
معاهدة لنقل النازيين اليهود إلى فلسطين:
معاهدة (الهعفراه) معاهدة وقَّعها المستوطنون الصهاينة مع النازيين. والهعفراء كلمة عبرية أو الترانسفير، وقد كان الصهاينة الاستيطانيون (اليهود المهاجرون إلى فلسطين) في الثلاثينيات يبحثون عن وسائل لدعم المستوطنين وحماية مصالحهم بأية طريقة، ومن ذلك التعاون مع النظام النازي. وبينما كان صهاينة الخارج التوطينيون (اليهود المندمجون في المجتمعات الأوروبية) وقادة الجماعات اليهودية مشغولين بإنقاذ يهود ألمانيا، ومن ضمن جهودهم تنظيم مقاطعة اقتصادية ضد النظام النازي، وقد شكلت المقاطعة في البداية تهديدًا للنظام النازي حتى تبنى الصهاينة المستوطنون خطتهم لخدمة مصالحهم بالتعاون مع النظام النازي.
