غزة رمز للعزة (14) بين الصهيونية والنازية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أدَّى ما قامت به قوات الاحتلال الإسرائيلية من جرائم حرب فظيعة وعقوبات جماعية، وما اقترفته من مذابح شنيعة، وما خلَّفته من مقابر جماعية، وما دأبت عليه لعدة شهور متتالية من أعمال إبادة جماعية للسكان في قطاع غزة في أعقاب عملية (طوفان الأقصى) - إلى إعادة ما كان يثار ويتداول حول علاقة وتعاون الحركة الصهيونية مع النظام النازي في ألمانيا، وتأثرها به خلال النصف الأول من القرن العشرين الميلادي.
وإذا كان الشائع أن الحكم النازي في ألمانيا قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية قد ارتبط بمعاداة اليهود، وأن اضطهاد النازيين لليهود بلغ مداه من خلال إقامة معسكرات لاعتقال اليهود ثم قتل الآلاف منهم فيها، والذي نجحت وسائل الإعلام بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وبعد سقوط النازية فيها في تضخيم هذا العداء والمبالغة في تقدير ضحاياه من اليهود، في ظل صمت أو ترحيب من الحلفاء المنتصرين؛ شماتة في الحكم النازي المهزوم، في مبالغة طغت حتى أخفت وراءها حقيقة أخرى حرصت الصهيونية العالمية كل الحرص على إخفائها تمامًا، ومنع أي حديث عنها تتعلق بصور من المساعي للتعاون المشترك بين الحركة الصهيونية وقتها وبين النظام النازي في ألمانيا، وهو ما أثارته، بل وأثبتته العديد من الأرشيفات القضائية والمكاتبات الدبلوماسية في تلك الفترة، وهو ما سعى في إثباته البعض في مؤلفات تناولت وعالجت الجوانب المختلفة لتلك العلاقة المشبوهة بين الصهيونية والنازية، والتي كشفت وأظهرت خفايا مذهلة غابت عن الكثيرين.
ومن تلك الأعمال والجهود المبذولة في هذا الأمر:
- الدراسة التي أعدها (ليني برينر) بعنوان: (الصهيونية في عصر الديكتاتوريين)، وهي من منشورات (كوروين هيلم) - لندن - عام 1983.
- الدراسة من إعداد (لوسي دافيدوفيتش) بعنوان: (الحرب على اليهود)، وهي من منشورات (بانجوين بوكز) عام 1977.
- الدراسة التي أعدها (آري بوبير) بعنوان: (إسرائيل الأخرى)، وهي من منشورات (أنكر بوكز) - نيويورك - عام 1962.
- الدراسة التي أعدها (بن هيكت) بعنوان: (الخيانة)، وهي من منشورات (جوليان نيسنر) - نيويورك - عام 1961.
- كتاب (آنا ارينت) بعنوان (إيخمان في القدس)، وهو من منشورات (فايكنج برس) - نيويورك - عام 1955.
هذا إلى جانب العديد من المؤلفات الأخرى.
لماذا تتعاون الصهيونية مع النازية؟
لقد كان من دأب زعماء الحركة الصهيونية الحديثة -التي تبنت فكرة إنشاء دولة لليهود على أرض فلسطين- منذ نشأتها السعي للاستفادة من كل الأطراف على الساحة العالمية، بلا استثناء ومهما كان هذا الطرف، لتحقيق هدفها الأكبر، من باب أن الغاية تبرر الوسيلة؛ فمنذ مؤسسها (تيودور هرتزل) الذي اتصل بكل الأطراف على الساحة الدولية على ما بينها من اختلافات، بل وتناقضات لإقناع كل منها على حِدَة للتعاون معه لصالح حركته الصهيونية، مع إغراء هذا الطرف أو ذاك بتحقيق مصلحة له من وراء مساعدته في إيجاد أرض لليهود وإقامة دولة يهودية لهم فيها، فكانت محاولات هرتزل الدؤوبة مع: البريطانيين والروس والألمان والإيطاليين، بل ومع الدولة العثمانية.
كان الهدف الأسمى وقتها هو: تهجير أكبر عدد ممكن من اليهود الأوروبيين عامة والألمان خاصة إلى أرض فلسطين. ومن جانب آخر: كانت النازية في ألمانيا -كغيرها في أوروبا- ممن تعادي اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية، فكان الاشتراك بين الصهيونية والنازية في هذه الغاية يفتح بابًا للتعاون بينهما لتحقيق هذا الهدف المشترك.
كان هدف الحركة الصهيونية وهو دفع أكبر عدد يمكن دفعه من يهود أوروبا عامة وألمانيا خاصة لقبول الهجرة إلى أرض فلسطين والاستيطان فيها، وكان أكثر يهود أوروبا وقتها غير متقبلين لفكرة الحركة الصهيونية تلك في ظل اندماج الكثيرين منهم في المجتمعات الأوروبية، وكان هدف النازية هو التخلص من اليهود الألمان؛ لذا لم تهتم الحركة الصهيونية وهي تسعى لتحقيق حلمها إلا باليهود الفارين من أوروبا عامة وألمانيا خاصة، المتوجهين إلى فلسطين دون غيرهم، فلم تكن الحركة الصهيونية تكترث وقتها باليهود ممن لم تكن وجهتهم فلسطين؛ لذا لم تهتم الحركة الصهيونية وقتها كثيرا بإنقاذ اليهود المعتقلين أو المهددين منهم بالموت، بل بلغ الأمر بالتضحية بهؤلاء اليهود لتحقيق الحلم الأكبر.
فلقد حاولت بعض الدول الأوروبية أكثر من مرة مساعدة اليهود الراغبين في الفرار من الاضطهاد النازي بنقلهم، ولكن لوجهات أخرى غير فلسطين، ولكن الحركة الصهيونية لم تقبل هذا النقل ليهود أوروبا إلى غير فلسطين.
ومن أمثلة ذلك:
- سعي الحركة الصهيونية إلى إفشال مؤتمر (أفيان) في فرنسا عام 1938، الذي حضره ممثلون عن كثير من الدول لإنقاذ اليهود من اضطهاد النازية بنقلهم إلى بلدان أخرى آمنة بالنسبة لهم.
- رفض الحركة الصهيونية لعرض جمهورية الدومينيك وقتها باستقبال 100 ألف لاجئ يهودي.
- رفض الحركة الصهيونية اقتراحًا بنقل 300 ألف يهودي، نصفهم إلى بريطانيا، والنصف الآخر إلى أمريكا، رغم موافقة البلدين على ذلك.
- رفض الحركة الصهيونية نقل عشرات اليهود إلى النرويج بعد ما أقر البرلمان في النرويج قانونا يسمح باستقبالهم.
لقد كان هدف الحركة الصهيونية واضحًا لا لبس فيه أنه لا سبيل لإنقاذ اليهود إلا من خلال الهجرة إلى فلسطين دون غيرها. وقد نقل عن (بن جوريون) قوله في تصريح له في عام 1938 أمام زعماء الصهيونية: "لو علمت أنه يمكن إنقاذ كل الأطفال اليهود الألمان بنقلهم إلى انجلترا أو إنقاذ نصفهم فقط بنقلهم إلى أرض إسرائيل (يعني أرض فلسطين) لفضلت الحل الثاني على الأول وأخذت به"؛ "إذ يتعين علينا أن نأخذ في اعتبارنا لا حياة هؤلاء الأطفال وحسب بل كذلك تاريخ شعب إسرائيل" (راجع في ذلك: تاريخ المسألة الفلسطينية، فيصل أبو خضرا، ص 135، 136، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، د. عبد الوهاب المسيري - ط. دار الشروق الخامسة، 1/ 201) .
ورغم معارضة الحركة الصهيونية تلك؛ فقد فر وهاجر الكثير من يهود أوروبا وقتها إلى دول غير فلسطين فتحت لهم أبوابها؛ منها: روسيا وأمريكا.
