شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

قطرة من كأس فيلم "الملحد" المسموم! وترياقها

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد صُدِم الرأي العام في مصر صدمة كبيرة؛ حينما تم الإعلان أن "فيلم الملحد" قد تمت الموافقة على عرضه في دور العرض السينمائية بعد ثلاث سنوات من رفض الأزهر والجهات الرقابية له، ويرجع الرفض إلى شخصية كاتب السيناريو إبراهيم عيسى؛ فما قدَّمه إبراهيم عيسى عبر سنوات يجعلك تقلق من أي مُنتج له يقترب من الدِّين؛ حتى لو كان العنوان حسنًا، فعندما تكلَّم عن السُّنة كان زعم أن رسالته: "تمييز ما صحَّت نسبته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مما لم تصح نسبته إليه"، وهو أمر لم تكن الأمة ذاهلة أو عاجزة عنه، بل تصدَّى له جهابذة أوقفوا أعمارهم من أجله؛ فميَّزوا ما نقله لنا العدول الضابطون بعضهم عن بعض فقبلوه، وما لا؛ فردوه، ولم يفتهم اعتبار مناقضة العقل أو مخالفة الحس، دليلًا على أن ثمة خلل ما قد حدث من جهة الناقل؛ لأن الله -تعالى- يقول: ( ‌وَلَوْ ‌كَانَ ‌مِنْ ‌عِنْدِ ‌غَيْرِ ‌اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (النساء: 82) .

ولم يكن هذا معناه عندهم رد الوحي، ولا تقديم أهوائهم عليه؛ وبالتالي لم يعتبروا إلا بالعقل الصريح كأداة لتفسير النص مع إذعانهم له، وسلَّموا بالغيب وآمنوا بما أخبر به مما لا تبلغه عقولهم.

وقد جاء بعدهم أناس قدَّموا أهواءهم على الكتاب والسنة، وكان مِن دلائل نبوته -صلى الله عليه وسلم- أنه أخبر عنهم قبل ظهورهم، ثم جاء إبراهيم عيسى ومن قبله أساتذته ومعه رفاقه في مؤسسة تكوين وغيرها ليقدموا أهواء الغرب على الشرع، فكانت جريمتهم مضاعفة في عدم الإذعان للشرع من جهة، وفي النقل والتبعية لأعداء الأمة من ناحية أخرى.

وقد أخبرنا -صلى الله عليه وسلم- عن أناس هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ولكنهم يدعون بما يناقض منهجنا؛ حتى استحقوا أن يصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنهم دعاة على أبواب جهنم، ولما تكلم ابراهيم عيسى عن الصحابة كان شغله الشاغل أن يثبت لنا أنهم بَشَر وليسوا معصومين، وهي قضية لم تكن تنتظره ليثبتها؛ فهذا ابن عباس حبر هذه الأمة يغلِّظ القول لمن عارض قول النبي -صلى الله عليه وسلم بقول وزيريه وصاحبيه: أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-؛ قائلًا: "أقول لكم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتقولون: قال أبو بكر وعمر، توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء".

ولكن إثبات أنهم بشر شيء، وتضخيم أخطائهم -على ندرتها وكونها مغمورة في بحار من الحسنات، مع تزكية الله لهم- شيء آخر؛ فضلًا عن الكذب عليهم أو تصديق الكذب الذي كذبته عليهم بعض الفرق الضالة، وها هنا لا بد وأن نذكر قوله -تعالى-: ( ‌وَالَّذِينَ ‌جَاءُوا ‌مِنْ ‌بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (الحشر: 10) ، ولا بد أن نذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أصحابي أصحابي"، وقوله: "آية الايمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار".

وعندما تكلم إبراهيم عيسى عن الإسراء والمعراج كان هدفه نفي المعراج، بل والتشكيك في رحلة الإسراء رغم ذكرها الصريح في القرآن! وعندما تكلم عن السيرة النبوية كان همه أن يدعي أن السيرة النبوية غير صحيحة، فإذا كان هذا ما يقدمه إبراهيم عيسى عندما تكون عناوينه معسولة فيدس فيها هذا السم؛ فكيف لو كان العنوان مسمومًا ابتداءً؛ كعنوان: "الملحد!"؟!

ولذلك سادت حالة ارتياح عندما نشر إسلام البحيري -قرين إبراهيم عيسى وشريكه في مطبخ السموم- أن الفيلم قد مُنِع، متباكيًا على حرية الفكر، وتلك الشعارات التي هم أول مَن يخالفها حينما يطالبون بمحاصرة ومصادرة كل ما ينتمي إلى تراث الأمة؛ سواء كان تفسيرًا سنيًّا يلتزم بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين، أو كان حديثًا صححه الأئمة وقبلته الأمة، أو كان فقهًا مأخوذًا عن الأئمة الأربعة أو كان سيرة نبوية عطرة، ثم أبى إبراهيم عيسى إلا أن يسقط لنا قطرة من كأسه المسموم، فانتقى مشهدًا؛ أظنه اختاره لأنه يراه أخف وطأة، ومع هذا جاء مشهدًا كاشفًا ومبينًا عن خلطته المسمومة، وكان المشهد كالتالي:

(يحيى: ما هو عامل نفسه هو واللي معاه مندوبين ربنا وكلائه في الدنيا.

إيمان: اسمع يا يحيى، أنت ابني كنت مؤمن ولا كافر، وأنت روحي كنت ملحد ولا مرتد، اكذب عليهم، قولهم: أنك تبت وأنبت وإنك مسلم.

يحيى: يعني أكذب؟!

إيمان: اكذب ما كلنا بنكذب؛ اللي بيكذب على نفسه واللي بيكذب على الناس واللي بيكذب على النبي واللي بيكذب على ربنا، اللي بيكذب عشان خايف واللي بيكذب عشان يرتاح، واللي بيكذب عشان الكذب هو اللي بيتصدق.

يحيى: وعايزني أكذب أي كذب فيهم.

إيمان: اكذب عشان تريح أمك وتنجي أبوك من جريمة، أبوك مؤمن لدرجة أنه ممكن يقتلك!

يظهر حافظ خلفهما واقفًا، حافظ: إنتي بتكلميه تقوليله إيه؟ مش عايز حد في البيت ده يكلمه، نقاطعه وننبذه ونهجره لغاية ما يرجع لربه ودينه، أنا بقول أهو، وإياك أشوفك بتكلميه تاني.

إيمان تبكي وترجو ابنها بعينيها.

يحيى يربت على كتفيها ويتجه ناحية حافظ، وينظر له نظرة فيها تودد.

يحيى: أنت حتقتل يحيى يا أبو يحيى.

ينظر له حافظ بحدة ثم بتردد، بكراهية ثم بعطف بقسوة ثم بحب.

حافظ: متلعثمًا يتمتم بالآية القرآنية: "في أولادكم عدوا لكم" صدق الله العظيم.

يرد يحيى بالآية القرآنية: "أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون".

حافظ: "صدق الله العظيم، كويس أنك لسه حافظ".

يتودد له يحيى: ابن حافظ.

حافظ: ابن كلب!).

ملاحظة:

الآية التي ذكرها على لسان الأب، صوابها وتمامها: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا ‌لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (التغابن: 14 ) .

ونأتي لتحليل المشهد:

أولًا اختيار الأسماء:

- الأب: حافظ، وطبعًا كمالتها في المثل العامي: مش فاهم!

الصفحة التالية