شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

قطرة من كأس فيلم "الملحد" المسموم! وترياقها

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

- الأم: إيمان، وبالطبع هي كلمة شريفة وفاضلة، ولكن منذ غزانا "ديكارت" عن طريق "طه حسين" ثم تلامذته، والإيمان عند هؤلاء يُذكر مذمومًا في مقابل الشك، ويؤكد هذا ضعف حجتها تمامًا أمام ابنها الملحد؛ فلا تملك هذه الأم إلا أن ترجوه التظاهر بالإيمان، والإيمان معرفة ويقين، وقبول وإذعان كما قال -تعالى-: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ‌حَتَّى ‌يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء: 65) ، والإيمان لما خالطت بشاشته القلوب جعل السحرة يناظرون فرعون بكلِّ قوة، وجعل الصديق يصدق بخبر المعراج الذي ارتاب فيه من ارتاب، ومنهم إبراهيم عيسى، وجعل ربعي بن عامر -رضي الله عنه- في ثيابه الرثة يقول لقائد الفرس: "الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

أما الملحد: فاسمه يحيى، وبالطبع فالإلحاد والعالمانية كانتا ردَّ فعلٍ لدين خيَّر الناس بين الدنيا والآخرة، وادعى كهنته أنه لا مجال للفوز بالآخرة إلا بالرهبانية وهجر الدنيا برمتها واعتبار كل نعيمها دنسًا! ثم تشكك الناس في صدق هؤلاء الكهنة فخشوا أن يكون من اختار منهم الآخرة قد خسر الدنيا ولم يربح الآخرة؛ فضلًا عن تصدي الكهنة للتقدم العملي؛ فأصابهم الذعر، ومن ثم انطلقوا كالثور الهائج في اتجاه اختيار الحياة الدنيا، وبالتالي سار هؤلاء في ركب: ( ‌بَلْ ‌تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (الأعلى: 16، 17) ، واختاروا طريقًا أخبرنا الله عن نهايته فقال -عز وجل- : ( وَيَوْمَ ‌يَعَضُّ ‌الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ) (الفرقان: 27 ) ، وإن كان هذا اليحيى قد اختار الحياة الدنيا على الآخرة؛ فبئس ما اختار، ولكننا معشر المسلمين ندعو بما علمنا ربنا: ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ‌وَقِنَا ‌عَذَابَ النَّارِ ) (البقرة: 201) .

نترك الأسماء ونذهب إلى الشخصيات ذاتها:

لا بد هنا أن نعلم أن المؤلف يصنع الشخصيات وَفْق الرسالة التي يريد أن يرسلها الكاتب، وأن هذه القصة وغيرها شخصيات ينحتها خيال الكاتب معبرًا بها عما يريد أن يزرعه في عقول وقلوب المشاهدين، ولكن الفتنة أن الممثلين عندما يؤدون تلك القصص ينقدح في الذهن وكأنه واقع؛ مهما كان المشاهد متأكدًا من كونه تمثيلًا، ولننظر: ماذا أراد إبراهيم عيسى أن يرسل لنا من رسائل من خلال شخوصه:

فشخصية الأب: أنه متطرف جاف غليظ، وهي الصورة الذهنية التي يصر صُنَّاع السينما على الترويج لها، ولا جديد هنا إلا ادعاء أن هذا التطرف هو المسئول عن الإلحاد.

وشخصية الأم: أنها مقهورة مضطربة، ممزقة بين قهر الزوج وحب الابن.

والأعجب شخصية الملحد: فهو هادئ جدًّا، عقلاني، يخاف من الكذب؛ ولو لإنقاذ نفسه من القتل، حريص على برِّ أمه؛ قابل غلظة أبيه بهدوء وبرٍّ عجيبين، ولم يكن ينقص هذا السيناريو؛ إلا أن يستشهد بقوله -تعالى-: ( ‌وَإِنْ ‌جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (العنكبوت: 8) !

نأتي لمناقشة هذه الدعاوى:

أما دعوى تجهم المتدينين وغلظتهم: فتنزلًا سوف نفترض أن هذا النموذج موجود، ومع هذا يصر تلاميذ "وحيد حامد" على تعميمه؛ بينما طالبونا ألا نتوقف عند زجاجة البيرة التي صوروها هم أنفسهم في حفل تدشين مؤسسة تكوين، وطالبونا ألا نقف عند هذه الرقصة التي جمعت بين ذكورهم وإناثهم!

وأخيرًا قالوا: لا تنشغلوا بالشيكات التي بدون رصيد التي حرَّرها إسلام البحيري على جهة النصب على امرأة من اللاتي اغتررن بأنه مفكر تنويري!

ولكن سنسلم لهم بوجود هذه الظاهرة، ولكن تصوير أنها سبب للإلحاد، بل السبب الوحيد -الذي تعرض له الفيلم على الأقل-، يعتبر درجة من البجاحة الفكرية التي لا نظير لها!

وقد تناسى إبراهيم عيسى أن موجة الإلحاد في القرون الأخيرة كانت غربية، وهذا يعرفه القاصي والداني، وأنها كانت رد فعل للطغيان الكنسي، وصكوك الغفران، وغيرها، وهذا أشهر من أن يحتاج إلى تدليل!

ولو كلف إبراهيم عيسى نفسه وفتح مواقع الملحدين العرب، أو حتى لو سأل زملاءه في تكوين؛ لعلم أن دعوة الإلحاد ما زالت قائمة على كتابات فلاسفة الغرب؛ فدعوى أن الإلحاد ردُّ فعل للتشدد الإسلامي، والذي يدعي ابن عيسى أننا لم نعرفه إلا في سبعينيات القرن العشرين! بينما موجة الإلحاد الغربية المستمرة حتى الآن كانت منذ القرن السادس عشر، وتصاعدت جدًّا في القرن الثامن عشر وإلى يومنا هذا، ولكن مؤلف العمل السينمائي يلقي سمومه ثم يجلس يحتسي مشروبه المفضَّل، وهو يشاهد رسالته ترسل في اتجاه واحد بلا تعقيب ولا مناقشة.

ومن هنا تدرك سبب اختيار السينما لتقديم هذا السم؛ حيث لا منطق ولا تاريخ، وإنما الكاميرا والإضاءة، والموسيقى التصويرية.

وبالمناسبة: قرأت قصة فيلم عن جولات المخابرات المصرية مع الموساد، وجاء فيه فخرًا واستحسانًا: أن رجلًا مصريًّا قتل ابنه بيده؛ لما عَلِم أنه جاسوس لإسرائيل، ولا ندري: ماذا يقول إبراهيم عيسى في هذه الأفلام أم أنه يرى أن كاتبها ومخرجها تأثروا بابن تيمية؟!

على أننا بصفة عامة ننهى عن تنفيذ أي عقوبة من غير ذي السلطة؛ لا سيما القتل حتى لا يؤدي ذلك إلى لا ما يحمد عقباه، ولكن أردت أن أحتج على إبراهيم عيسى بأهل مهنته.

نأتي لإيمان: لو أن امرأة مؤمنة ألحد ابنها فلن تأمره بالنفاق ليحفظ حياته، ولن يزيده شكًّا بأن تدعي أن الأصل في الناس الكذب، ولو أنها لجأت إلى هذه النصيحة فسيكون هذا مؤقتًا مع أخذها بأسباب رده إلى الحق؛ إلا لو كانت هي نفسها شاكة كما ألمح إبراهيم عيسى عن أمِّ ملحده!

أما لو أراد أن يعرف كم من أم نفعها إيمانها، فصبرت واحتسبت وربت أبناءها؛ فليَسَلْ عن أم الإمام الشافعي يجدها.

أو ليَسَلْ عن أم الإمام أحمد بن حنبل يجدها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية