شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

قطرة من كأس فيلم "الملحد" المسموم! وترياقها

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

أو ليسل عن أم محمد الفاتح يجدها.

وإن كان إبراهيم عيسى مخاصمًا وخصمًا، وعدوًّا لكتب السلف -ولا عجب! فالإنسان عدو ما يجهل-؛ فليذهب إلى مستشفيات الأطفال وسيجد طوابير من أمهات مجاهدات محتسبات، أو يذهب إلى وزارة التضامن، أو ليذهب إلى أي مكان آخر غير الأماكن التي لُقِّن فيها أن أمهاته وجداته كن يرتدين المايوهات على شواطئ الإسكندرية (سمعنا كثيرًا عن غسيل المخ حيث تتغير أفكار ومعتقدات الشخص، ولكن يبدو أننا بحاجة أن ندرس: ما إذا كان قد اخترع نوعٌ من غسيل المخ يجعل الإنسان يتوهم أشياء في تاريخه، وتاريخ عائلته يقطع كل مستمع لها بكذبها!).

نأتي للملحد نفسه:

لفتة سريعة:

إبراهيم عيسى مستودع شبهات، وبالتالي فهو ككاتب سيناريو يمكن أن ينحت شخصية تتحدث بلسانه، ولكن شخص ثقيل الظل، ومع هذا فكمزيد من تلميع هذا الملحد صوَّره خفيف الظل فحينما بكته أبوه بأنه ما زال يحفظ بعض آيات القرآن، فقال له: "كويس أنك لسه حافظ!"، فرد قائلًا: "ابن حافظ"؛ لأن اسم ابيه حافظ؛ فرد الاب لأنه متشدد، وما إلى ذلك: "ابن كلب!".

التعليق:

الملاحدة يقولون: الإنسان ابن قرد، والقرد بن جرثومة؛ فليست بعيدة عن "ابن الكلب"، بينما يعتقد مَن يراهم إبراهيم بن عيسى متشددين في قوله -تعالى-: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي ‌أَحْسَنِ ‌تَقْوِيمٍ ) (التين: 4 ) ، وبالطبع يعتقدون أن مِن البشر من يزري بنفسه وبالطبع على رأسهم من يرى جده الأكبر "قردًا"، وهذا مصداق قوله -تعالى-: ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) (التين: 5 ) .

نأتي لمناقشة عناصر شخصية الملحد:

صوَّره لنا إبراهيم عيسى هادئًا مطمئنًا، ونحن لو رأينا أمام أعيننا ملاحدة أهل الأرض في سكون وطمأنينة؛ فسوف نصدِّق كتاب الله -تعالى- "القرآن العظيم": ( ‌وَمَنْ ‌أَعْرَضَ ‌عَنْ ‌ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) (طه: 124) ؛ فكيف ونحن نرى الملاحدة -(اللي بجد) وليست الشخصيات التي يصنعها لنا قلم مؤلف- وهم قلقون مضطربون؟! بل نرى مَن يموت منهم يتسول رفاقه مِن الناس الترحم عليه، ونرى معدلات الانتحار تتناسب طرديًّا مع انتشار الإلحاد؛ حتى في البلاد الواسعة الثراء، بل في نجوم العالم من ممثلات ومغنيات شهيرات، ولا يتسع المقام هنا لذكر إحصائيات، ولكنها معلومة مشهورة.

والأكثر عجبًا! أنه صوَّر ملحده وهو يمتلك ذخيرة أخلاقية جعلته يغالب رغباته ويجاهد نفسه، ويخفض الجناح لوالديه!

ولا أدري مِن أين استوحى إبراهيم عيسى هذه الصورة؛ فالأديان الوثنية "وبدرجة كبيرة الأديان التي أصلها سماوي، ولكنها تلوثت بالوثنيات"؛ لم تفلح أن تجعل أحدًا يجاهد رغباته؛ اللهم إلا بالرهبانية التي أشرنا إليها، أو غيرها من صور تعذيب النفس، أو -إن شئت- قل: إعادة برمجة لها بحيث لا يكون هناك مجال لكي تعمل الغرائز الطبيعية، وأما الحضارة الإلحادية: فيكاد يجمع فلاسفتها على أن اللذة هي المحرك الرئيسي للإنسان، وأن كل إنسان عليه أن يسعى لتحصيلها، ولا يكاد يفعل الإنسان خيرًا إلا إذا اقتنع أنه سيؤدي إلى شيء من هذه اللذة.

إن كثيرًا من دعاة الإلحاد صاروا ينادون بأن يكون الإلحاد موجهًا للخاصة فقط، وأن يُدَعى العامة إلى الاعتقاد في وجود خالق ووجود دين؛ لأن حتى الديانات المحرَّفة تهذِّب أصحابها على مقدار ما فيها من حقٍّ من إيمان بالربوبية والرسالات في الجملة، وهذا هو سر تراجع أوروبا عن نشر الإلحاد إلى القبول بدعوة إلى التدين؛ شريطة أن يكون تدينًا شخصيًّا عالمانيًّا.

وفي ذلك يقول فولتير: "إذا لم يكن الله موجودًا، لكان من الضروري ابتكاره!".

ومَن تأمل خطاب كل فلاسفة العالمانية؛ سيجد أنهم ملاحدة في الأصل؛ فمنهجهم مبني على التكذيب، أو الشك -على الأقل- في وجود الرب أو في الرسالات؛ سواء باعتقاد أن الرسل كَذَبوا لإصلاح البشرية ولم يرسلهم الله أصلًا -كما كان يقول بعض الفلاسفة الذين حاولوا الجمع بين الدين والفلسفة- أو تبني أن رسالة كل رسول تتبدد معالمها فور انقضاء زمنه، وتصبح منتجًا بشريًّا يزيد فيه البشر وينقصون، وبالتالي يبقى هذا التحريف في زعمهم حقًّا لكل الأجيال! وهو في النهاية إنكار لبقاء دين سماوي؛ حتى لو أقروا أن منها ما كان أصله كذلك.

وهذا الذي يقولونه يصدق على الأديان المحرَّفة، ولكن كان ينبغي إذ أدركوا هذا أن يدخلوا في دين الحق "دين الإسلام"، ولكنهم إباءً و استكبارًا؛ منهم مَن أصر على إلحاده الصريح، ودعا إليه، ومنهم مَن جمع بينه وبين تلك الأديان المحرفة، وما دفعهم لهذا إلا إدراكهم الحاجة إلى الدين كمصدر لبناء الوازع الشخصي.

وإن إحدى أبرز الثغرات في الإلحاد هي الغياب التام للوازع الشخصي، والذي يهدد أمن المجتمعات تهديدًا رئيسيًّا؛ فملحد إبراهيم عيسى لا وجود له إلا في ذهن إبراهيم عيسى، وإذا كان إبراهيم عيسى وهو ليس ملحدًا لا يكاد يذكر مَن يراهم متشددين إلا بالسب والشتم والسخرية؛ فما بال ملحده يواجه متشددًا "بل متشددًا يهم بقتله" بتلك الابتسامة، وهذا الخُلُق؟! اللهم إلا إذا كان إبراهيم عيسى يرى أن الملحدين أكثر منه حكمة، وأحسن منه خُلُقًا وأكثر أدبًا!

هذه وقفة مع تلك القطرة اليسيرة من "كأس فيلم الملحد المسموم"، أو مع مشهد واحد؛ اختار إبراهيم عيسى أن يسرِّبه إلينا، وما خفي كان أعظم!

على أنه إن عاد ونشر المزيد من المشاهد؛ فسنعود إلى مناقشة ما فيها مِن سموم -بإذن الله تعالى-.

الصفحة السابقة