الكبائر (45) إشاعة الفاحشة (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ): فأما في الآخرة فسنة الله ماضية في كلِّ من خالف أمر الله، وفتن الناس في دينهم، بالمحاسبة والمعاقبة: ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (البقرة: 281) ، ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (آل عمران: 30) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ ) (متفق عليه) ؛ فكيف بهؤلاء الذين ملئوا الدنيا بالفواحش، وأفسدوا على الناس دينهم؟!
- بل إنهم لا يحاسبون على سيئاتهم فحسب؛ بل سيحاسبون على سيئاتهم، وسيئات كل من أفسدوه وفتنوه عن الهداية إلى يوم القيامة: قال الله -تبارك وتعالى-: ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) (النحل: 25) . وقال -تعالى-: ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ )، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ) (رواه مسلم) .
- وعند ذلك لا ينفع الندم: قال -تعالى-: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ) (الفرقان: 27) ، وقال: ( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) (الملك: 10) ، وقال: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ) (السجدة: 12) .
(3) هل لهم من توبة في الدنيا؟
- تقبل توبتهم إذا صدقوا: قال -تعالى-: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر: 53) ، وقال: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) (طه: 82) ، وقال: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) (الشورى: 25) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .
- ويكثر بعد التوبة من الاستغفار والعمل الصالح من صلاة وصيام وصدقة ويدعو الله بالثبات وينشغل بتهذيب نفسه وتربيتها، ويرفض كل الإغراءات التي تدعوه إلى الرجوع للمعصية، ويقطع كل الوسائل التي تربطه بذلك الفعل، وكذا يبتعد عن الانتصاب للتعليم والتوجيه وهو في حال الجهل كما يفعله كثير من المشاهير إذا اعتزلوا الضلال؛ قال العالم للتائب: ( انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ ) (متفق عليه) ، وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت: 69) .
- وأما المال الحرام الذى حصل من عمل الفاحشة، أو إشاعتها: فإن كان غنيًّا وقادرًا على التخلص من هذا المال، وتطيب نفسه بذلك، فليتصدق به على الفقراء، كما هو مذهب جمهور العلماء، وهو أبرأ للذمة وأحوط للدين، وإن كانت نفسه لا تطاوعه بذلك، أو ربما صده ذلك عن التوبة أو وقف عائقاً أمامها، أو كان فقيرًا محتاجًا للمال: فلينتفع به؛ قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "فطريق التخلص منه وتمام التوبة: بالصدقة به، فإن كان محتاجًا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدق بالباقي، فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه، عينًا كان أو منفعة" (زاد المعاد) .
فاللهم تب علينا، إنك أنت التواب الرحيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقول الأستاذة عابدة المؤيد العظم في مقال بعنوان: "إنهم يشيعون الفاحشة": "أصبحت المسلسلات تعرِضُ "الأدواء" بطريقة يسمُّونها "جرأة"، والواقع أنها طريقة "فجة" و"وقِحة"، وأسلوبها ليس فيه خجلٌ ولا حياء، ولا مراعاةٌ للمُشاهِدِ الذي قد يكون: "عذراء في خِدرها تمتلئ حياءً، أو يكون المشاهد شابًّا لا يجد نكاحًا يُعِفُّه، أو طفلًا لم يبلُغ الحُلُم ولا يفقه شيئًا، أو عانسًا تتُوق للزواج وهي بغنًى عمن يزيدها شوقًا إليه..."، وكل هؤلاء يتابع المسلسل والبرنامج مع الوالدين؛ فكيف سيكون الموقفُ حين ذاك؟! وكيف ستشرح الأم لصغيرها ما غمض عليه وصعُب فهمه؟! وكيف سيتفهم الشاب الصبرَ؟! وكيف ستلجم العانس مشاعرَها؟
