غزة رمز للعزة (15) قوات الاحتلال تدمر المنظومة الصحية في قطاع غزة
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلم تكتفِ قوات الاحتلال الإسرائيلية بكل ما ارتكبته من جرائم حرب وحشية لا مثيل لها في التاريخ الحديث ضد المنشآت والمباني الحكومية، والمدنية، والبيوت، وأبراج المدنيين السكنية وممتلكاتهم، والمدارس بأنواعها، والجامعات، والمساجد في قطاع غزة بأكمله من شماله إلى جنوبه، في وحشية غير مسبوقة تدل على اللا مبالاة بالقيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية، والقوانين والأعراف الدولية منها والإنسانية!
بل قامت كذلك تلك القوات الهمجية باستهداف ومهاجمة منشآت المنظومة الصحية في قطاع غزة بأكمله، ومنعها من القيام بالمطلوب منها لإنقاذ وإسعاف الجرحى والمصابين من جراء الاعتداءات العسكرية الوحشية المتواصلة جوًّا وبحرًا وبرًّا على سكان القطاع، والتي خلَّفت وراءها عشرات الآلاف من المدنيين القتلى ومئات الآلاف من الجرحى والمصابين الذين يحتاجون وبصورة عاجلة إلى الإسعافات السريعة الطارئة لإنقاذ حياتهم المهددة بالضياع؛ فضلًا عن علاج مئات الألوف من المرضى أصحاب الأمراض الطارئة والمزمنة، ومنهم الكثيرون ممن يحتاجون إلى الحجز في عنابر المستشفيات أو إلى إجراء العمليات لإنقاذ أرواحهم أو إزالة أوجاعهم ومعاناتهم؛ فضلًا عن حالات الولادة ومتابعة الحمل لعشرات الآلاف من الفلسطينيات الحوامل في القطاع، وهذه أبسط الحقوق المدنية لأي شعب سواء كانت تحت الاحتلال العسكري أو بدونه والتي لا يقبل أي تهاون فيها أو منع لها حتى في ظروف الحروب العسكرية أو الصراعات والنزاعات المسلحة.
وقد ضربت قوات الاحتلال بكل تلك الحقوق عرض الحائط ولشهور طويلة في جرائم حرب متعمدة هدفها الواضح الانتقام والتشفي من شعب غزة الصامد المتطلع إلى إقامة دولته المستقلة الحرة على أرضه، بل ومارست تلك القوات -وبقوة غاشمة- أعمال عقاب وإبادة جماعية ضد كل السكان الفلسطينيين في القطاع تحت ستار صراعها مع حركة حماس ومنظمات المقاومة الفلسطينية.
ولكون تلك الجرائم البشعة التي لا مثيل لها تتم تحت أعين وسمع العالم بأسره ويصعب سترها وإخفاؤها كلها بالكلية؛ فقد مارست إسرائيل الأكاذيب المعتادة منها للتبرير غير المقبول -مهما كانت دوافعه- لما تقترفه من حصار وجرائم في حق المنظومة الصحية لقطاع غزة، تارة بزعم أن هذه المنشآت والمستشفيات يوجد تحتها أنفاق يعيش فيها رجال المقاومة الفلسطينية، وتارة بزعم أنها لم تقصف أو تهاجم تلك المنشآت الصحية والمستشفيات، أو أنها قصفتها بالخطأ، أو تنسب ما تعرضت له تلك المستشفيات أنه من إصابات من فعل رجال المقاومة الفلسطينية خلال استهدافهم للقوات الإسرائيلية المقتحمة لقطاع غزة والمنتشرة فيه، وتارة بزعم أن استهداف قوات الاحتلال لتلك المنشآت والمستشفيات تم لكون رجال المقاومة الفلسطينية يتخذون منها مراكز للقيادة أو الاختفاء أو تخزين السلاح، وهي المزاعم التي ثبت كذبها بعد ذلك -كذبًا لا شك فيه- بعد تدمير ما تم تدميره من هذه المنشآت الصحية والمستشفيات، وبعد التوغل فيها واقتحامها واحتجاز واعتقال كل من كان فيها، من: أطقم طبية وعمال وتمريض، وجرحى ومصابين ومرضى، ومدنيين نازحين اختبأوا فيها؛ رجاء أن تحميهم من بطش قوات الاحتلال، وهم الذين تركوا بيوتهم بعد تعرضهم للقصف والقتل والقنص، ليُجبروا من جديد على عدم الخروج من تلك المستشفيات بالحصار العسكري، ثم تعرضوا للحجز والاعتقال والتحقيق معهم على ما في ذلك كله من تعطيل لهذه المستشفيات والمنشآت بالكامل عن العمل وأداء المطلوب منها، في ظل ظروف القطاع الصحية الحرجة للغاية، واحتياج سكان القطاع الشديد لجهود هذه المنظومة الصحية، في استهانة واضحة من قوات الاحتلال بإنقاذ أرواح عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء المهددين بالموت، ولامبالاة -غير مسبوقة- لرفع المعاناة التي يكابدونها من جراء العدوان العسكري الإسرائيلي المتواصل عليهم بلا انقطاع ولعدة شهور.
لقد شهدت المنظومة الصحية في قطاع غزة من الأسابيع الأولى للعدوان وطوال شهور متواصلة بعدها صورًا غير مسبوقة من جرائم الحرب والإبادة التي قامت وتقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلية والتي لا يوجد لها مثيل، ومنها:
- قطع الغاز والوقود عن القطاع الصحي ولشهور طويلة مما ترتب عليه وقف عمل الأجهزة الطبية جميعها، وتوقف العمل في غرف العمليات والاستقبال والطوارئ؛ مما أودى بحياة الكثير من الحالات المحتاجة للغسيل الكلوي نتيجة نقص الكهرباء اللازمة لتشغيل ماكينات غسيل الكلى لنقص وقود مولدات الكهرباء، وكذلك وفاة الكثير من الأطفال حديثي الولادة والمبتسرين (الخداج) لتعطل تشغيل حضانات المستشفيات.
ومع تدهور الأوضاع داخل المنظومة الصحية ذكر مدير مستشفى الشفاء في غزة د. محمد أبو سلمية: "أن الأطباء يقومون بلف الأطفال الخدج بورق الألمونيوم ووضعهم بجوار الماء الساخن، في محاولة يائسة منهم لإبقائهم على قيد الحياة في الظروف الكارثية التي يمر بها أكبر مستشفى في القطاع".
وقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مع منتصف شهر نوفمبر 2023 عن وفاة 6 أطفال خدج و9 مرضى في المستشفى بسبب نفاد الوقود وخروج أقسامه عن الخدمة نتيجة حصار القوات الإسرائيلية له. وقال د. أبو سليمة لـ(سي إن إن) الأمريكية: "لم يعد هناك ماء أو طعام أو حليب للأطفال الرضع... الوضع في المستشفى كارثي" (انظر جريدة الأسبوع - عدد 5 فبراير 2024، ص 3، نقلا عن شبكة (سي إن إن) الأمريكية في 11 نوفمبر 2023) .
وقال مدير مستشفى الشفاء أيضا لوكالة الصحافة الفرنسية: "إن 179 جثة على الأقل دفنت الثلاثاء في قبر جماعي بموقع المؤسسة الاستشفائية، موضحا أن بينهم 7 أطفال خدج توفوا جراء انقطاع الكهرباء، وقال: اضطررنا إلى دفنهم في قبر جماعي. مشيرًا إلى أن جثثًا تنتشر في ممرات المستشفى، والكهرباء مقطوعة عن برادات المشارح بعد منع دخول الوقود منذ السابع من أكتوبر" (المصدر السابق نقلًا عن وكالة الصحافة الفرنسية في 14 نوفمبر 2023) .
