عزة رمز للعزة (18) (نتن ياهو بين الإرهاب وجرائم الحرب) (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قدَّم نتن ياهو نفسه للمجتمع الإسرائيلي خلال سنوات طويلة قاد فيها حزب الليكود -وتحالف فيها مع الأحزاب الدينية اليهودية المتطرفة هناك- على أنه المنقذ لدولة إسرائيل بعد فترة من أطروحة بيريز ورابين للسلام.
ومن خلال سنوات طويلة مارس فيها نتن ياهو ألاعيبه السياسة، وحيله وأكاذيبه، وسعى من منطق القوة إلى فرض الخضوع والإذعان على الفلسطينيين والعرب من خلال زعم أن الجيش الإسرائيلي جيش لا يقهر، مع تطلع إلى اقتصاد واعد في المنطقة تقوده إسرائيل؛ خاصة مع دخول العديد من الدول العربية حظيرة التطبيع مع إسرائيل، والنجاح في تدشين الديانة الإبراهيمية في المنطقة.
وفي أوج ما تصوره نتن ياهو مجدًا حقَّقه جاءت عملية (طوفان الأقصى) من رجال حماس لتضع نهاية مروعة لهذه الأوهام؛ شاء نتن ياهو أم أبى، طال تشبثه بالحكم أو قصر، كما وضعت من قبل حرب العاشر من رمضان (السادس من أكتوبر) في سيناء النهاية الصادمة للغطرسة الإسرائيلية وقتها، وأسطورة الجيش الذي لا يقهر، والحدود الآمنة لإسرائيل، وقدرة إسرائيل على فرض الأمر الواقع على العرب والفلسطينيين بقوة السلاح.
لقد كتبت عملية طوفان الأقصى نهاية نتن ياهو التي لا محيص عنها؛ مهما حاول بحيله وأكاذيبه مد فترة تشبثه بالحكم، كما وضعت من قبل حرب العاشر من رمضان نهاية جولدا مائير، وموشى ديان السياسية، وهما يظنان أنهما في أقصى مجدهما.
مع حكم نتن ياهو نسيت إسرائيل كلمة السلام، بدأت تخطط لابتلاع الضفة الغربية بالتدريج، وتركت للمستوطنين التوسع هناك طولًا وعرضًا، وأعلنت من جديد المخططات الخفية للسيطرة على محيط المسجد الأقصى؛ لقد أيقظ نتن ياهو من جديد الوحش الصهيوني الكامن في إسرائيل، فبعد أن كانت إسرائيل مع شيمون بيريز تتطلع إلى تكوين شرق أوسط موسع جديد تكسب من ورائه المكاسب الاقتصادية والسياسية مقابل التنازل عن بعض -لا كل- الأراضي الفلسطينية، فجاء نتن ياهو يحلم بضم كامل للأراضي الفلسطينية، وأن تكون حدود إسرائيل قابلة للتوسع حسب قوة جيشها، وأن هذا التوسع وإن تجاوز حدود إسرائيل الحالية؛ فهو توسع إجباري لمواجهة الأخطار ولتحقيق الأمن الداخلي لإسرائيل، مع إمكانية التمدد طبقًا لما ترى فيه إسرائيل المصلحة أمام ما تصل إليه من مصادر للمياه والطاقة، ويتاح لها من أسواق التجارة.
لقد أصبح المجتمع الإسرائيلي في عهد نتن ياهو:
- مجتمع يسعى للحرب، ويطلب السلام من خلال إجبار الآخرين عليه بالقوة.
- مجتمع لا يريد أن يقدم أو يعطي شيئًا مقابل فرض السلام الذي يريده، يريد أن يقبل الآخرون السلام في مقابل السلام.
- مجتمع ليس على استعداد لكي يبت في الأمور المؤجلة كقضية اللاجئين وكالمستوطنات والحدود النهائية.
- مجتمع ليس على استعداد على الإطلاق للتنازل عن الأراضي المحتلة؛ خاصة القدس الشرقية.
- مجتمع يريد أن تكون إسرائيل دولة يهودية خالصة لليهود، ولا يقبل فيها أي قومية أخرى.
- مجتمع تتحكم فيه الأحزاب التلمودية المتطرفة، ولا يعيش إلا من خلال الأساطير التي يعتنقها ولا يؤمن بها إلا هذه الأحزاب اليهودية المتطرفة؛ رغم كل مظاهر العلمانية والتقدم العلمي والتطور التكنولوجي التي تمتلكها إسرائيل، فمقاعد الكنيست أغلبها للأحزاب الدينية لا للأحزاب العلمانية، رغم كل مظاهر الديمقراطية التي تدعي أنها تعتنقها لقد صارت إسرائيل في عهد نتن ياهو تحمل سياسة العنف اللا أخلاقي؛ سياسة تسعى إلى تمدد حدود إسرائيل لتكتسح وتبتلع كل ما تصل إليه من الأراضي الفلسطينية والعربية، سياسة تختلق لنفسها الأخطار التي تبرر له التوسع في احتلال أراضي الغير بدعوى حماية أمنها، سياسة تمارس العنف بقوة ثم تطلب السلام والتطبيع المجاني لتحقيق المصالح التجارية في منطقة مليئة بمصادر الطاقة ورؤوس الأموال والمياه.
وفي إطار تحقيق ذلك والوصول إليه حاول نتن ياهو الاستفادة من الصراع بين فتح وحماس ومنع المصالحة بينهما، بإضعاف قوة ونفوذ السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية والسيطرة على أجهزتها الأمنية في رام الله، والاستفادة من انفصال حماس بقطاع غزة ليشتعل الصدام بينهما ويستمر.
لقد انتهى المطاف بنتن ياهو أن يعلن أن إسرائيل دولة دينية لليهود خالصة على كامل التراب الفلسطيني، وعلى الملأ وأمام الأمم المتحدة يعرض خريطة الدولة وبها مرتفعات الجولان والضفة الغربية وجنوب لبنان.
صدمة طوفان الأقصى وانهيار رؤية نتن ياهو:
جاءت عملية طوفان الأقصى التي نفذتها المقاومة الفلسطينية بصورة مذهلة فاقت أي تصور أو توقع لتقلب من جديد موازين المنطقة بأسرها، ولتكشف كل مواطن الضعف والهشاشة أمنيًّا وعسكريًّا داخل الكيان الصهيوني في يوم وليلة، وتقوض كل جهود نتن ياهو عبر سنوات حكمه:
- فقد تم إخلاء المستوطنات في غلاف غزة من المستوطنين، وتحملت الدولة الإسرائيلية تبعات بقائهم خارجها، وكذلك أعباء تقديم التعويضات اللازمة لهم.
- وعاش سكان المدن في جنوب إسرائيل وفي تل أبيب نفسها في المخابئ والملاجئ بشكل يتكرر كثيرًا مع تكرار إطلاق صفارات الإنذار وتكرار التعرض للرشقات الصاروخية؛ لقد أعادت عملية طوفان الأقصى الإسرائيليين من جديد إلى مشاعر الخوف والهلع والقلق من المستقبل القادم.
- وتزايدت بشكل غير مسبوق أعداد المهاجرين بشكل عكسي من إسرائيل إلى خارجها، والتي بلغت مئات الآلاف من اليهود الهاربين من إسرائيل خلال أسابيع قليلة من اندلاع القتال. وكثير من هؤلاء هم من النخب وأصحاب الكفاءات الذين إذا استمرت هجرتهم فلن يبقى في إسرائيل أصحاب كفاءات لكن سيبقى فقط أتباع الأحزاب الدينية المتطرفة وحدهم.
- وتوقفت الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل وهربت رؤوس أموال إلى خارجها، وتراجع الاستثمار المحلي، وتسارعت حركة بيع الأسهم في الشركات الإسرائيلية المدرجة في بورصة تل أبيب.
