الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (180) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (9)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (النحل: 120-123) .
الفائدة الثامنة:
قوله -تعالى-: ( اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) يدل على أن الاجتباء والاصطفاء هو لله -سبحانه وتعالى-، وهذا جزء من الإيمان بالقدر؛ لأن اختيار الله -عز وجل- لأنبيائه وأوليائه هو مَنُّه وفضلُه -سبحانه وتعالى- عليهم بطاعته وبالإيمان به، وأما النبوة فاجتباء خاص.
والله -سبحانه وتعالى- اختار أنبياءَه ورسله بعلمه وحكمته، وقد وضع الأشِياء في مواضعها، وهو محض فضله -سبحانه- عليهم؛ قال الله -سبحانه وتعالى-: ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (القصص: 68 ) .
والخيرة في هذا الموضوع ليست بمعنى الإرادة المجردة، بل اختيار التكريم والتفضل، والتخصيص بنعم الدِّين والإيمان والنبوة؛ قال -سبحانه- لموسى -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ) (طه: 13) ؛ أي: اختاره الرب -سبحانه وتعالى- للرسالة والتكريم والتكليم.
وقال الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ? وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) (النساء: 113) .
وقال الله لعباده المؤمنين: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) (الحج: 77-78 ) ؛ أي: هو -سبحانه- اجتبى عباده المؤمنين لدينه الذي لا حرج فيه عليهم، وهو ملة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- دون الأديان الأخرى: كاليهودية، والنصرانية، وغيرها، وإن انتسب أصحابها إلى إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-.
وإنما أولياء إبراهيم هم النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون بعد أتباع إبراهيم في زمنه وعبر الزمان، كما قال -سبحانه وتعالى-: ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران: 68 ) ، وقوله -سبحانه وتعالى-: ( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ )؛ أي: الله سماكم المسلمين قبل وجودكم؛ كما ذكر صفتكم في الكتب السابقة، وسماكم كما قال -تعالى-: ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (الفتح: 29 ) .
وقوله -سبحانه وتعالى-: ( وَفِي هَذَا ) أي: وفي هذا القرآن ( سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ )، وهذا بلا شك تكريم للإسلام على سائر الرسالات السماوية، وأما الأديان التي حرَّفها أصحابها؛ فليست داخلة في التفضيل أصلًا، بل مَن كذَّب الرسول -صلى الله عليه وسلم- من اليهود والنصارى؛ فهو كافر مخلَّد في النار طالما قد بلغته رسالته؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) (رواه مسلم) .
وأما التفضيل في شمول رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- وارتفاعها على غيرها؛ فأمر لا يشك فيه مسلم بالنسبة إلى رسالات الأنبياء من قبل، ويدل على ذلك: قوله -عز وجل- لموسى -صلى الله عليه وسلم- بعد أن دعى ربه -سبحانه- ألا يهلكهم بما فعل السفهاء منهم إلى آخر دعوته؛ قال: ( عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الأعراف: 156-157 ) ، وقال الله -عز وجل-: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة: 3 ) .
