الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (180) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (9)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وقد قال غير واحد من الفلاسفة -وغيرهم-: إنه بإجماع الحكماء لم يطرق العالم ناموس أعظم من الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-! فحتى هؤلاء الفلاسفة المنحرفين عن دين النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرون بأن رسالته أعظم الرسالات وتشريعه أعظم التشريعات.
فتفضيل النبي -صلى الله عليه وسلم- على كل الرسل مجمع عليه: كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (متفق عليه) .
والمفاضلة بين الأنبياء هي باجتباء الله -عز وجل- لمن شاء؛ ليست بأهواء الناس، وليس بتنقيص نبي على نبي، مع معرفة قدر جميع الأنبياء، وأنهم أفضل من جميع الأولياء، بل هم أفضل الخليقة؛ قال الله -عز وجل-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (البينة: 7) .
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ -عليه السلام- ) (رواه مسلم) ، وكان هذا قبل أن يوحى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه سيد الناس، فقضية التفضيل بين الأنبياء إذا كانت بالأدلة الشرعية كتفضيل محمد -صلى الله عليه وسلم-، وتفضيل إبراهيم بعده، أمرٌ لا نزاع فيه بين أهل العلم؛ دَلَّ القرآن عليه، قال الله -عز وجل-: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) (البقرة: 253) ، وهو محمد -صلى الله عليه وسلم-.
فأفضل الخليقة على الإطلاق هو محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وكما يقول إبراهيم -عليه السلام- يوم القيامة في حديث الشفاعة: ( إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ ) (رواه مسلم) ، وهذه إشارة إلى منزلة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه أقرب في الخلة وبعده إبراهيم وبعده موسى -صلى الله عليهما وسلم-، كما دلت عليه أحاديث المعراج في لقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لموسى في السماء السادسة، وفي رواية في صحيح البخاري في السماء السابعة، والجمع بينهما ممكن؛ لأنه لقيه في السادسة وصعد معه -صلى الله عليه وسلم- إلى السابعة التي فيها إبراهيم.
فالاجتباء للأنبياء خاصة محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، وإبراهيم وموسى -صلى الله عليهما وسلم-، ثابت في الكتاب والسنة، ولا مجال لإنكاره ولا مجال لنفي ذلك بمثل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ ) (متفق عليه) ؛ فإن المقصود لا تفضلوا تفضيلًا يتضمن تنقيص بعضهم؛ كما قال: ( لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ) (متفق عليه) ، وإنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم- لما وجد بعض أصحابه يضربون مَن قال: "والذي اصطفى موسى على البشر"، وأما أن التفضيل حاصل؛ فلا نزاع في ذلك.
وهذا من اجتباء الله -عز وجل-، وليس من عند أحدٍ دون الله، ولكل منهم فضائله الخاصة، ويشترك مع غيره في الفضائل العامة للأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وجمعنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
