شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزة رمز للعزة (19) إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية (1-3)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وقد تعنتت إسرائيل طوال تلك الفترة في منح الفلسطينيين في غزة تصاريح للسفر، وهي تصاريح لا يحصل عليها إلا القليل، وقد سجلت منظمة الصحة العالمية بين سنتي 2008 و2021 أن هناك 839 فلسطينيًّا من غزة توفوا أثناء انتظارهم للحصول على تصاريح طبية لمغادرة غزة لتلقي العلاج العاجل، بينما كانت غالبية التصاريح التي تمنح لدخول إسرائيل هي تصاريح مخصصة لعمال اليومية وتجار المنتجات الزراعية.

كما قيدت إسرائيل بشدة دخول البضائع للقطاع من خلال حظر البضائع بدعوى أنه يمكن أن يكون لها استخدام مدني وعسكري مزدوج؛ كما قيدت الإمدادات الغذائية داخل القطاع بتقليص المساحة الزراعية الرئيسية المخصصة للزراعة؛ كما جعلت إسرائيل الصيد البحري في القطاع أمرًا خطيرًا بالنسبة للصيادين الفلسطينيين؛ إذ ليس لهم الوصول إلى كامل منطقة الصيد، والتي تبلغ 20 ميلًا بحريًّا، نصت عليها اتفاقية (أوسلو) المبرمة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في أوائل التسعينيات، وقد أدى الحصار البحري الذي فرضته إسرائيل واستخدام القوة والاعتقالات ومصادرة معدات الصيد إلى تقليص منطقة صيد الأسماك في غزة بشدة.

لقد حول الحصار الإسرائيلي على غزة القطاع من مجتمع منخفض الدخل بقدرات تصدير متواضعة إلى (جيتو) فقير، له اقتصاد متهالك، ونظام خدمة اجتماعية منهار.

ويمكن وصف وضع غزة مع نهاية عام 2022 بأنه قطاع تتمثل إستراتيجية إسرائيل الواضحة تجاهه أن سكانه غير مرغوب فيهم، وهم محصورون في شريط ساحلي ضيق من خلال الحصار الجوي والبري والبحري لمدة 15 عامًا بلغت فيه البطالة نسبة 45%، ونسبة الفقر 60 %، ليصبح 80 % من سكانه يعتمدون على شكل من أشكال المساعدات الدولية.

كما تعرضت طبقة المياه الجوفية الساحلية في غزة، وهي المصدر الوحيد لمياه الشرب الطبيعية، للتلوث من خلال التلوث بمياه البحر والصرف الصحي؛ مما جعل قطاع غزة يعتمد بشكل كبير في الحصول على مياه الشرب من المصادر الخارجية.

هذا مع انقطاع للتيار الكهربائي يستمر لساعات طويلة أثناء اليوم، مع خنق الاقتصاد المحلي من خلال الرقابة الإسرائيلية الصارمة والتحكم في دخول وتصدير البضائع من وإلى القطاع؛ كما عانى نظام الرعاية الصحية في القطاع من انهيار كبير نتيجة للنقص الخطير في مجال الرعاية الصحية نتيجة نقص معدات العلاج وتناقص أعداد العاملين، ونقص الإمدادات من الأدوية والعقاقير الطبية.

هذا إلى جانب تحمل سكان القطاع لأربع حروب غير متكافئة إلى حد كبير مع الجيش الإسرائيلي خلال الثلاثة عشر عاما الماضية كانت الأكبر تأثيرًا، وتسببت في فقد أرواح مدنيين كثيرة وتدمير هائل للممتلكات، إذ قتل في الفترة ما بين سبتمبر 2000 وأكتوبر 2023 نحو 7569 فلسطينيًّا وأصيب عشرات الآلاف؛ إضافة إلى مقتل 214 فلسطينيًّا آخرين خلال مظاهرات (مسيرة العودة)، وهي احتجاج سلمي واسع قام به الفلسطينيون على طول السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل شارك فيه الآلاف من الفلسطينيين كل يوم جمعة لمدة 18 شهرًا مطالبين برفع الحصار المفروض عليهم وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومنازلهم في إسرائيل.

العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023:

تعرض قطاع غزة من جديد لهجمات عسكرية واسعة النطاق برًّا وبحرًا وجوًّا، منذ الثامن من أكتوبر 2023، هي من أعنف حملات القصف التقليدي في التاريخ الحديث، وتشير التقديرات أنه خلال أول ثلاثة أسابيع من القصف تم إسقاط 6000 قنبلة أسبوعيًّا على قطاع غزة صغير الحجم، وأنه خلال شهرين أحدثت الهجمات العسكرية دمارًا أكبر من حجم الدمار الذي لحق بمدينة حلب السورية بين عامي: 2012 و2016، ومدينة ماريو بول في أوكرانيا، وأكبر من قصف الحلفاء لألمانيا في الحرب العالمية الثانية، والذي جعل غزة تبدو من الفضاء بلون مختلف وتتخذ نسيجًا مختلفًا عما كانت عليه قبل الدمار؛ كما ذكر الأمين العام للأمم المتحدة في رسالة مؤرخة في السادس من ديسمبر 2023 موجهة إلى رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، التي أحاطت الجمعية العامة للأمم المتحدة علمًا بها بشكل صريح في قرار الجمعية العامة المؤرخ في 12 ديسمبر 2023 بشأن حماية المدنيين والوفاء بالالتزامات القانونية والإنسانية.

وقد وصف المسؤولون في الأمم المتحدة وفي اللجنة الدولية للصليب الأحمر -كما جاء في النص العربي المترجم لدعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية-: بأن ما يتكشف لهم في قطاع غزة يعد أزمة إنسانية، وأنهم لم يروا شيئًا مثل ما يرونه اليوم في غزة، مما يعد فشلًا أخلاقيًّا يسبب معاناة لا تطاق، وأن الوضع الآن هناك مروع، إنه جحيم حي، هناك بقايا أمة تدفع إلى جيب في الجنوب!

شعب بأكمله يعيش في رعب مطلق ومعمق، يتعرضون للقصف الإسرائيلي بلا هوادة، قصف للمنازل والملاجئ والمستشفيات والمدارس وأماكن العبادة، ويعانون الموت والحصار، والدمار والحرمان من الاحتياجات الإنسانية الأكثر أهمية؛ مثل: الغذاء والماء والإمدادات الطبية المنقذة للحياة، وغيرها من الضروريات اللازمة للبقاء على قيد الحياة.

إن غزة أخطر مكان يمكن أن يعيش فيه طفل أو إنسان؛ كل شيء فيها غير مسبوق، لقد نفذت الكلمات لوصف ما يجري.

أعمال القتل العشوائية الموسعة:

تفيد التقارير القادمة من غزة أن هناك عشرات الآلاف من الفلسطينيين قد قتلوا وعشرات الآلاف آخرين أصيبوا، وأن 70% منهم أطفال ونساء، وأن هناك الآلاف ما زالوا في عداد المفقودين وتحت الأنقاض، غالبهم قد لقوا حتفهم تحت تلك المباني المدمرة أو يموتون ببطء أو تحللوا حيث قتلوا؛ إذ تمنع قوات الاحتلال عمدًا أي محاولات لانتشالهم من تحت الأنقاض وإغاثتهم أو إنقاذهم، كما تستهدف بالقصف سيارات الإسعاف إلى جانب قطع الاتصالات عن القطاع.

الصفحة السابقة الصفحة التالية