شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزة رمز للعزة (19) إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية (1-3)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وبلغ الأمر من كثرة عمليات القتل الواسع النطاق أنه يتم دفن جثث الموتى في مقابر جماعية، وغالبًا ما تكون مجهولة الهوية. ولم يعد في غزة أي مكان آمن، لقد قتل الفلسطينيون في منازلهم، وفي كل الأماكن التي لجأوا إليها للاحتماء بها، في المستشفيات، في المدارس، حتى في مدارس ومنشآت الأونروا التابعة للأمم المتحدة، وفي المساجد والكنائس، حتى إنهم قتلوا أثناء محاولتهم الفرار على طول الطرق التي أعلنت قوات الاحتلال أنها طرق آمنة للفرار نحو وسط القطاع وجنوبه، بل إن هناك تقارير عن إطلاق النار على أشخاص عزل فور رؤيتهم على الرغم من عدم تشكيلهم أي تهديد.

وقد أسقطت القوات الإسرائيلية في مناطق من أكثر المناطق كثافة سكانية قنابل ثقيلة يصل وزنها إلى 2000 رطل (900 كيلو جرام)، والتي يتوقع أن يصل نصف قطرها المميت إلى 360 مترًا، وأن تتسبب في أضرار بالغة إلى مسافة تصل إلى 800 متر من نقطة الارتطام.

مأساة الأطفال في غزة لا مثيل لها:

وبالنسبة للأطفال الفلسطينيين على وجه الخصوص فلا مكان آمن لهم، ففي أول شهرين من العدوان على غزة كان معدل القتل للأطفال في غزة أكثر من 115 طفلًا فلسطينيًّا يقتلون يوميًّا؛ لذا وصفت غزة بأنها (مقبرة للأطفال)، وأن الهجمات الإسرائيلية في غزة إنما هي حرب على الأطفال هناك.

إن معدل الضحايا من الأطفال في الصراعات التي شاهدها العالم في آخر 20 سنة حوالي 20%، ولكن في العدوان الحالي على غزة بلغت النسبة حوالي 40 %، أي ضعف عدد الأطفال الذين يقتلون في الصراعات الأخرى. ويعاني 80% من هؤلاء الأطفال من مستويات عليا من الاضطراب العاطفي، ومن صوره التبول اللاإرادي، والصمت التفاعلي، والانخراط في إيذاء النفس.

ومعلوم أن الأزمات العنيفة تؤثر على الأطفال بشكل رهيب، فهم الأكثر ضعفًا؛ فالتعرض المتكرر للعنف والصراع، بما فيها مشاهدة وتجربة هدم المساكن والحصار الشديد، يرتبط بمستويات عالية من الضيق النفسي؛ هذا إلى جانب الانقطاع عن التعليم، إذ تم تدمير نحو 74 % من المدارس في غزة تدميرا كاملا، وانقطعت العملية التعليمية في القطاع تمامًا. إن هذه المعاناة سيكون لها آثارها على صحة هؤلاء الأطفال الجسدية والنفسية مدى الحياة.

لقد وصفت منسقة الطوارئ لمنظمة أطباء بلا حدود عند عودتها من قطاع غزة بعد خمسة أسابيع من بداية العدوان الإسرائيلي الأوضاع بقولها: (إنه في الواقع أسوأ مما يبدو، إنه لا يوجد شيء يضاهي مقدار المعاناة، فهو أمر لا يطاق حقًّا. وأنا عاجزة عن الكلام عندما أحاول أن أفكر في مستقبل هؤلاء الأطفال. إن هناك أجيالًا من الأطفال الذين سيكونون معاقين، والذين سيصابون بصدمات نفسية. إن الأطفال المشاركين في برنامجنا للصحة العقلية يقولون لنا: إنهم يفضلون الموت على الاستمرار في العيش في غزة الآن).

وهناك حالات كثيرة من الإصابة بالحروق وبتر الأطراف، حيث يوجد نحو ألف طفل فقدوا إحدى ساقيهم أو كلتيهما، كما أن هناك عشرات الآلاف من الأطفال فقدوا أحد والديهم على الأقل.

استخدام أسلحة محرمة دوليًّا ضد المدنيين:

هناك تقارير باستخدام القوات الإسرائيلية للفسفور الأبيض المحرم دوليًّا، والذي يسبب حروقًا عميقة وشديدة.

قتل الأطباء والصحفيين والعاملين في الأمم المتحدة:

فقد قُتِل في غضون هذين الشهرين أكثر من 311 طبيبًا وممرضًا وعاملًا من العاملين في مجال الرعاية الصحية، وقتل سائقي سيارات إسعاف، وذلك أثناء أدائهم لأعمالهم؛ كما قتل 103 من الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام، وقتل 40 عاملاً في مجال الدفاع المدني المسئولين عن المساعدة في انتشال الضحايا من تحت الأنقاض؛ كما قتل 144 موظفًا في الأمم المتحدة، وهو أكبر عدد من عمال الإغاثة الذين قتلوا في تاريخ الأمم المتحدة في مثل هذا الوقت القصير.

تداعيات أخرى للحصار المفروض:

تشير التقديرات إلى أن انتشال رفات من هم تحت الأنقاض سيستغرق سنوات، مع صعوبة التعرف على هوية كل جثة؛ هذا بالإضافة إلى تعرض الفلسطينيين إلى خطر الموت المباشر المؤلم البطيء بسبب الجوع والعطش والجفاف، نتيجة الحصار المستمر وعدم السماح بوصول الإمدادات والمساعدات الكافية إلى السكان الفلسطينيين، مع الصعوبات الشديدة في توزيع المتاح من المساعدات المحدودة التي يسمح بدخولها إلى القطاع نتيجة تدمير البنية التحتية وانقطاع كل سبل الاتصال.

المعاملة اللا إنسانية للمدنيين الفلسطينيين:

تتعمد قوات الاحتلال الإسرائيلية تجريد المدنيين الفلسطينيين من إنسانيتهم من خلال المعاملة القاسية واللا إنسانية والمهينة، وأفادت التقارير إلى أنه تم اعتقال أعداد كبيرة من المدنيين بما في ذلك الأطفال، وتعصيب عيونهم، وإجبارهم على خلع ملابسهم والبقاء في الخارج في الطقس البارد في شهور الشتاء، وإجبارهم على ركوب الشاحنات ونقلهم إلى أماكن مجهولة، كما تم احتجاز الأطباء والمسعفين ومقدمي خدمات الإسعاف الأولية بشكل متكرر.

وقد عرضت مقاطع فيديو نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية في يوم عيد الميلاد (عند النصارى) يظهر فيها مئات الفلسطينيين داخل ملعب اليرموك لكرة القدم في مدينة غزة، بما في ذلك أطفال وكبار سن وأشخاص من ذوي الإعاقة، حيث يجبرون على خلع ملابسهم باستثناء ملابسهم الداخلية في ظروف مهينة. وقد أفاد العديد من المعتقلين الفلسطينيين الذين تم إطلاق سراحهم أنهم تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك الحرمان من الطعام والماء، والمأوى، والوصول إلى المراحيض. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية: أن هناك لقطات تظهر فيها كدمات وحروق على أجساد المعتقلين.

الإخلال بالوعود الآمنة:

تكررت من القوات الإسرائيلية أوامر الإخلاء التي تطالب المدنيين الفلسطينيين في غزة بمغادرة منازلهم إلى مناطق أخرى، وتشير التقديرات إلى أن نحو 9و1 مليون فلسطيني من سكان غزة، أي: ما يقرب من 85 % من السكان، قد أجبروا بالفعل على ترك منازلهم، ولا يجدون مكان آمن للفرار إليه؛ أما من لم يستطيعوا المغادرة أو رفضوا النزوح فقد قتلوا، أو هم من المعرضين بشدة لخطر القتل.

الصفحة السابقة الصفحة التالية