غزة رمز للعزة (19) إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية (1-3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تقدمت جمهورية جنوب إفريقيا بصفتها عضوًا في الأمم المتحدة وموقعة على اتفاقية (منع جريمة الإبادة الجماعية)، بما يعني أنها ملتزمة بغرض الاتفاقية الذي أنشأت الاتفاقية من أجله، تقدمت بشكواها ضد دولة إسرائيل بصفتها عضوًا أيضًا في الأمم المتحدة وموقعة على نفس الاتفاقية، وطبقًا للمادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية فإنه تعرض المنازعات بين الأطراف الموقعة على الاتفاقية والمتعلقة بتفسير هذه الاتفاقية أو تطبيقها أو تنفيذها، بما في ذلك تلك المتعلقة بمسؤولية دولة ما عن الإبادة الجماعية، إلى محكمة العدل الدولية بناءً على طلب أي من أطراف النزاع.
وهنا من منطلق أن جنوب إفريقيا باعتبارها دولة طرفًا في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها تعد مسئولة كدولة طرف في الاتفاقية العمل على منع الإبادة الجماعية أو خطر حدوثها في قطاع غزة؛ خاصة بعد كل الدعوات إلى إسرائيل المحتلة لقطاع غزة للوقف الفوري للأعمال العسكرية العدائية المفرطة التي تجاوزت جرائم الحرب إلى حد الإبادة الجماعية في القطاع، والامتناع عن السلوك الذي يشكل -أو لا يمنع- حدوث انتهاكات بموجب التزاماتها بموجب الاتفاقية، خاصة مع عدم رد إسرائيل بشكل مباشر على المذكرة الشفوية التي أرسلتها جنوب إفريقيا في 21 ديسمبر 2023 إلى إسرائيل بمنع حدوث الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ورفض إسرائيل علنا اتهامها بارتكاب إبادة جماعية خلال هجماتها العسكرية، وإدراكًا من جنوب إفريقيا لدور محكمة العدل الدولية الهام، وأهمية ممارسة مسؤوليتها الجسيمة فيما يحدث من أعمال إبادة جماعية ضد سكان غزة، والتي تشتكي منها جنوب إفريقيا.
وقد شرعت محكمة العدل الدولية فعليًّا في مناقشة الدعوى المقدمة من دولة جنوب إفريقيا في يومي: الحادي عشر والثاني عشر من يناير 2024.
وكانت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية الصادرة من منظمة الأمم المتحدة عام 1948، قد وقعت عليها إسرائيل في 17 أغسطس 1949، وأودعت صك التصديق عليها في التاسع من مارس 1950، وأصبحت طرفًا في الاتفاقية عند دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في 12 يناير 1951، بينما أودعت جنوب إفريقيا صك انضمامها للاتفاقية في 10 ديسمبر 1998، أي: أن إسرائيل وجنوب إفريقيا طرفان في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
يتعلق طلب دولة جنوب إفريقيا بالأعمال التي تم التهديد بها أو تبنيها أو التغاضي عنها أو اتخاذها من قِبَل الحكومة الإسرائيلية وجيشها ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة في أعقاب عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023؛ بدعوى أنها حرب ضد جماعة حماس مع كون القتل العشوائي لآلاف المدنيين والتدمير واسع النطاق غير المسبوق للبنية التحتية المدنية والتهجير القسري لمعظم سكان القطاع، وتحويل القطاع إلى معسكر اعتقال تتم فيه أعمال الإبادة الجماعية يفضح تلك الأكذوبة، ويؤكد أن هذه الأعمال العسكرية المفرطة بمثابة عقاب جماعي وإبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، لما فيها من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لا لبس فيها كما سيأتي.
إضافة إلى الفشل الإسرائيلي في وقف تلك الإبادة أو منعها أو معاقبة المسئولين عنها، وذلك من أجل ضمان الحماية العاجلة والكاملة الممكنة للفلسطينيين العزل في غزة، وكذلك تقديم التعويضات المناسبة لضحاياها، وتقديم الضمانات الكافية بعدم تكرارها، وهذا بناءً على أنه يجوز لأي دولة طرف في اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وليس فقط الدولة المتضررة بشكل خاص، تقديم طلبها لمحكمة العدل الدولية للنظر في الانتهاكات التي تقوم بها دولة أخرى هي طرف في الاتفاقية.
وقد جاء في مقدمة دعوى جنوب إفريقيا: أن قطاع غزة وهو شريط ضيق من الأراضي، يحدها من الغرب البحر الأبيض المتوسط ومن الجنوب مصر، ومن الشمال والشرق إسرائيل، وهي تمثل مع الضفة الغربية لنهر الأردن والقدس الشرقية دولة فلسطين، التي اعترفت بها دولة جنوب إفريقيا في فبراير 1995، وقد منحت مركز دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة في 29 نوفمبر 2012. وتبلغ مساحة القطاع 365 كيلو متر مربع، يسكنه نحو 3و2 مليون شخص؛ لذا فيعد القطاع من أكثر الأماكن في الكثافة السكانية، نصفهم تقريبًا من الأطفال، ويعد 80 % منهم من اللاجئين وأولاد وأحفاد اللاجئين من البلدات والقرى التي تعرف الآن بدولة إسرائيل، وقد طردوا أو أجبروا على الفرار أثناء التهجير الجماعي لأكثر من 750 ألف فلسطيني، وهو ما يعرف تاريخيًّا بالنكبة؛ ذلك أثناء إنشاء دولة إسرائيل؛ ولذلك فإن النكبة والتهجير الجماعي المرتبط بها يحتل مكانة بارزة في تاريخ ووعي الفلسطينيين في غزة.
كانت غزة محتلة في أعقاب حرب يونيو 1967، وفي عام 2005 قامت إسرائيل بفك الارتباط مع غزة وتفكيك قواعدها العسكرية ونقل المستوطنين الإسرائيليين منها إلى إسرائيل والضفة الغربية المحتلة.
وعلى الرغم من فك الارتباط فقد مارست إسرائيل سيطرتها على المجال الجوي وعلى المياه الإقليمية والمعابر البرية والمياه والكهرباء والوقود والبنية التحتية المدنية في غزة، واستولت على المهام الحكومية الرئيسية؛ مثل: إدارة سجل السكان الفلسطينيين في غزة، ونظرًا لاستمرار سيطرة إسرائيل على قطاع غزة فالمجتمع الدولي يعتبرها خاضعة للاحتلال العسكري من جانب إسرائيل، وقد تجلت تلك السيطرة شبه الكاملة بشكل صارخ بعد 7 أكتوبر 2023 من قطع المياه وإمدادات الغذاء والوقود والكهرباء والدواء عن غزة.
وفي أعقاب فوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية عام 2006 اعتبرت إسرائيل القطاع منطقة معادية، وقامت بتشديد القيود على حركة الأشخاص والبضائع بشكل كبير، وفرضت حصارًا صارمًا على غزة؛ مما أدى إلى عزلة طويلة الأمد على القطاع، حيث تتحكم إسرائيل في معبر (إيريز) للمشاة ومعبر (شالوم) للبضائع، وهما وسيلتا التواصل والانتقال بين غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية للتجارة والعمل والحصول على رعاية صحية متقدمة وعلى الخدمات الاجتماعية وزيارة الأقارب.
