علاقة إيران بالغرب.. التشيع يدفعها للتحالف معه ضد أهل السنة، والفارسية تدفعها لمنافسته، وأما دعمهم المحدود للقضية الفلسطينية فورقة تفاوضية!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
تمهيد:
من فضل الله علينا في "الدعوة السلفية": أن عصمنا الله من الوقوع في فتنة "ثورة الخميني" عند قيامها، ثم عند تجددها في حرب 2006م بين "حزب الله" و"إسرائيل"، حيث وقفت الدعوة السلفية ضد التيار، ورغم الضغط الهائل شعبيًّا وإعلاميًّا في تمجيد حزب الله و"حسن نصر الله"، وغيره.
وقلنا -بفضل الله- حينها: إن الشيعة الاثني عشرية فرقة مبتدعة، ولكن طالما أنهم يواجهون اليهود؛ فهم أقرب إلينا من اليهود، ولكن مع التحذير الشديد من أن يتحول هذا الانحياز الذي فرضه الخصم الآخر الكافر إلى إعجاب بالأشخاص، ثم إعجاب بالمناهج، وكان وقتها الإعجاب شديدًا؛ نتيجة أن حزب الله استطاع حينها أن يُظهِر إسرائيل بمظهر العجز، وطبيعة الحروب أن كل طرف يحاول تطوير أسلحته وقدرته، بما في ذلك أن أحدًا يكون في موقف الأقل امتلاكًا للتكنولوجيا، وغيرها، ولكنه يستطيع أن يطوِّر أسلوبًا يجاري به خصمه، وهو لا يواجه في حرب مفتوحة، إنما يتحصَّن في حصون منيعة جدًّا، ويخرج ليطلق لدغاته التي تؤلم الجيوش النظامية، ويعود مرة أخرى، وهذا الذي طَبَّقه حزب الله في 2006 .
تدور الأيام، وتأتي الآن مواجهات بين حزب الله وإسرائيل، مع الفارق: أن حزب الله فَقَد بريقه بسبب الصورة الصادمة التي ظهر بها في سوريا، ومن قِبْلها في العراق؛ لكن في سوريا كان أوضح بكثير جدًّا، واتضحت دمويته تجاه أهل السُّنة، وأنهم يُعَامِلون أهل السنة أسوأ من معاملة الكفار!
وخلاصة المسألة من الناحية العقدية: أن الشيعة الاثني عشرية من الناحية النظرية، ومن الناحية العملية يرون أن الكفار أقرب إليهم مِن أهل السُّنة، وهذا ظاهر جدًّا في كلِّ صراع لهم مع أهل السنة، بل ولا يبذلون أدنى جهد في تجميل صورتهم، فكان من الممكن إذا كان حزب الله قد قرَّر أن يقاتل أهل السنة في سوريا أن يحاول -على الأقل- أن يظهر بمظهر المقاتل الشريف؛ فيقاتل مَن يقاتله، ولكن عند الأسر من الرجال والنساء والأطفال يحسنون معاملتهم، ولكنهم لم يفعلوا هذا، بل كانوا يتفننون في قتل كلِّ مَن قَدَروا عليه، وتصوير هذا ونشره! وكأنهم لا يعنيهم تجميل صورتهم.
وبالتالي الآن: تجد أنك لو قلتَ: إن 100% من أهل السُّنة في سوريا والعراق يقيمون الأفراح لمقتل حسن نصر الله وغيره، لم تكن قد أخطأتَ النسبة .
وفي المقابل: ما زالت بعض التيارات الإسلامية التي دخلتْ في حلفٍ يبدو أنه إستراتيجي إلى حدٍّ كبيرٍ مع الشيعة -(تحت وهم: أن الخلاف بين السُّنة والشيعة خلافٌ تاريخيٌّ وانتهى! وأن الشيعة الآن ينصرون القضية الفلسطينية، ونحو ذلك؛ حتى بعد أن جَدَّد الشيعة خياناتهم في العراق، وسوريا، ووثَّقوها بأنفسهم، وقاموا بنشرها)- كالإخوان -ومَن دار في فلكهم-؛ إما يصرون على العناد، وإما يعيدون تنظيرات فارغة؛ مفادها: أن مقاومة اليهود هي النقطة الوحيدة التي يُنظَر إليها في الولاء والبراء، وكل ما عداها فلا قيمة له!
وفي الواقع: هم بارعون في إعادة تحديد تلك النقطة الوحيدة التي سيدعون أنهم بنوا عليها موقفهم من (س أو ص)؛ فكم سمعناهم يقرِّرون أن مَن تلوَّثَت يده بالدماء لا يُقبَل أن تدعي بأي صورة من الصور، أن ثمة مصلحة شرعية تدفعك في التعاون معه لتحقيقها، وإلا كنتَ شريكًا في الدماء، وحسن نصر الله وحزب الله تلذذوا بسفك دماء أطفال أهل السُّنة، ومع هذا ما زال هؤلاء ينصبون له المآتم!
ونحن نكرِّر ما قلناه في 2006؛ وهو: إن الشيعة فرقة مبتدعة، ومِن شرِّ أنواع أهل البدع، ومع هذا فهم أقرب إلينا من اليهود، ومِن فرط جرائم حزب الله صار كثيرٌ من الرموز السلفية يستنكِرون علينا هذا القَدْر (أنه أقرب إلينا من اليهود) .
ولكن نحن رغم جرائم الشيعة المتتابعة نرى ما قرَّره جمهور أهل العِلْم، وقرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-؛ مِن أن الشيعة الاثني عشرية لا يُكفَّرون بالعموم، وأن الأمة كعلماء وأمراء لم يعاملوهم كما عاملوا الطوائف المتفق على أنهم ليسوا من فِرَق الأمة -كالنصيرية، والإسماعيلية، والدروز-، ولكن التعامل في كُتُب الفِرَق، والتعامل عند الفقهاء والأمراء: أنهم كانوا دائمًا ما يعاملون الشيعة الاثني عشرية على أنهم في الجملة من فِرَق الأمة.
ويمكن أن نقول: إن ابن تيمية -رحمه الله- في أكثر من فتوى دندن حول معنى يمكن التعبير عنه بمراعاة التفاوت العقدي الموجود في الفِرَق (غير المتجانسة عقديًّا).
نجد هذا في فتوى التتار، وخلاصتها: أن الواحد المقدور عليه منهم يُعَامَل بحسبه؛ لماذا؟ لأن هذه الطائفة فيها كفار أصليون، وفيها مرتدون، وفيها ناس من التتار تكلَّموا بالإسلام، وفيهم فساق، وفيهم جهال.
وقريب من هذا: أنه كلمنا عن الطوائف التي تنتشر في داخلها أفكار كفرية؛ حيث تكون الطائفة حاملة لأقوال كفرية عبر تاريخها، ولكن بالمعايشة مع هذه الطوائف لا تجد أن كلَّ منتمٍ إليها يقول بهذه الأقوال، فهنا قال: إن الشيعة الاثني عشرية، والمعتزلة عند كلٍّ منهم أقوال كفرية، لكن قد يوجد تأويلٌ يمنع من تكفيرهم.
وكان شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول بعد أن ناظر المعتزلة: "لو أني قلتُ مقالتكم لكفرت، ولكني لا أكفركم؛ لأنكم عندي جهال".
وأحيانًا يحتوي كلامهم على كفر لا يحتمل التأويل؛ كالقول بأن القرآن محرَّف! واتهام أمِّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بالفاحشة، ولكن دائمًا تجد أن هذه الأقوال مع وجودها في كتبهم؛ إلا أن هناك منهم مَن تبرأ منها، وتجد أن عوامهم الأصل فيهم عدم اعتقاد هذه الاعتقادات.
فالواجب مع هذه الطوائف أنك تراعي انتسابها للإسلام، ولا تهدر هذا الانتساب، وتنظر ما الذي ظهر من كلِّ واحد، وبالطبع في الشيعة الاثني عشرية قد تجد من يقول ببدعة غير مكفِّرة؛ فهذا مسلم، أو يقول مبتدع ببدعة مكفرة فيها تأويل؛ لا سيما التأويلات المعقدة التي حتى بعد المناظرة يبقى فيها مجال لبقاء التأويل عندهم؛ فيكون -أيضًا- مسلمًا معذورًا بجهله في عدم الحكم عليه بالرِّدَّة، وأما لو كان يقول بقول مكفِّر لا تأويل فيه، أو أقيمت عليه الحجة؛ فيكون كافرًا بعينه.
