علاقة إيران بالغرب.. التشيع يدفعها للتحالف معه ضد أهل السنة، والفارسية تدفعها لمنافسته، وأما دعمهم المحدود للقضية الفلسطينية فورقة تفاوضية!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
فالقضية: أن مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -بل هو مذهب الجمهور-: أن الشيعة الاثني عشرية ليسوا كفارًا بالعموم، وكلمة كفار بالعموم تعني أن كل واحد بعينه من هذه الطائفة كافر؛ مثل: الدروز، والنصيرية، أما الشيعة الاثني عشرية فليسوا كذلك، ومَن قال بكفر الشيعة الاثني عشرية على العموم -وإن كان قد قال بهذا بعض أهل العلم-؛ فقوله ضعيف، ومُعَارَض بواقعٍ عبر تاريخ الأمة؛ إذ لم يُمنَع الشيعة الاثني عشرية من الحج، وغير ذلك، ولكن هذا الأمر فرعٌ على ذلك.
هذا باختصار موقفنا الثابت من الشيعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما تكفيرهم وتخليدهم؛ ففيه -أيضًا- للعلماء قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، والقولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والروافض، ونحوهم، والصحيح: أن هذه الأقوال التي يقولونها، والتي يُعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضًا. وقد ذكرتُ دلائل ذلك في غير هذا الموضع، ولكن تكفير الواحد المعيَّن منهم، والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه، فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارِضَ له، وقد بسطتُ هذه القاعدة في قاعدة التكفير" (مجموع الفتاوى 28/500) .
وهذا يوضِّح أن شيخ الإسلام بعد أن ذكر خلاف العلماء رجَّح أن أقوالهم كفرية، بينما لا يُكفَّر المعين منهم إلا بعد إقامة الحجة.
وهذا مِن إنصاف شيخ الإسلام وضبطه لمواطن الخلاف، ومواطن الإجماع، مما ننصح به المسلمين جميعًا أن يلتزموا به؛ حتى لا نجعل مسائل وسعت السَّلَف مسائل ولاء وبراء؛ فنكون بذلك مخالفين لمنهج السلف دون أن ندري، ونحن نقول بالتفصيل الذي يقول به شيخ الإسلام -رحمه الله-.
وأما تفضيل اليهود والنصارى عليهم: فقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن ذلك؛ إذ سُئِل -رحمه الله تعالى- عن رجلٍ يفضِّل اليهود والنصارى على الرافضة؛ فأجاب: "الحمد لله، كلُّ مَن كان مؤمنًا بما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فهو خير مِن كلِّ مَن كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة؛ سواء أكانت بدعة الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية، أو غيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفرًا معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول -صلى الله عليه وسلم- لا مخالف له؛ لم يكن كافرًا به، ولو قُدِّر أنه يكفر؛ فليس كفره مثل كفر مَن كَذَّب الرسول -صلى الله عليه وسلم-" (مجموع الفتاوى 35/ 201) .
مع أن الذي يقرأ "منهاج السنة النبوية" لشيخ الإسلام ابن تيمية يعلم أن كلَّ ما نعانيه من شيعة زماننا -مِن موالاة لأعداء الله، وإعمال للسيف في أهل السنة- عاناه المسلمون في زمن شيخ الإسلام، بل أشد، ولكن أهل السُّنة كما وصفهم شيخ الإسلام: "يعرفون الحق، ويرحمون الخلق".
ولكن دائمًا ما يثار سؤال حول مدى جدية إيران في رفعها لشعار: "أمريكا هي الشيطان الأكبر"؛ بالإضافة إلى شعار: "مناصرة القضية الفلسطينية"، ومع المعرفة العقدية والتاريخية بمنهج الشيعة، وخيانات نصير الدين الطوسي، وابن العلقمي، ودورهما في سقوط بغداد، وتحالف الدولة الصفوية مع البرتغاليين ضد الدولة العثمانية، وغيرها كثير؛ فقد كان الكثير من العلماء والدعاة يقولون: إن الذي يجري بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وبين إيران وحلفائها من جهة، هو تمثيلية محبوكة على أهل السُّنة، وأن التنسيق يجري بنسبة 100%.
وهذا نوع من الاختصار أو -بصورة أدق- تركيز على الجزء الذي يهمك من الصورة، ولكن ثمة مواقف تحتاج لشرحها أن تذكر الصورة كاملة؛ نعم، قد يكون الجزء الأكثر أهمية: بيان أن الشيعة يتحالفون مع كلِّ أحد ضد أهل السُّنة، وهذا واقع فعلًا الآن مِن أن إيران وأمريكا حلفاء في أفغانستان، وفي العراق، وفي غيرها.
وهذا لا يمنع أن بينهم صراعًا على مصالح أخرى؛ وذلك أن إيران تدرك أن الغرب يحتاج إليها؛ لحصار وإضعاف بلاد السُّنة، وإثارة الفتن فيها، وهي تريد أن تستثمر هذا في أن تجعل من نفسها دولة عظمى، أو -على الأقل- دولة عظمى إقليميًّا، وهذا الذي لا يمكن للغرب أن يرضى به؛ لا سيما مع استحضار الصراع الطويل الذي كان يدور على السيطرة على العالم بين الفرس والروم.
وبالتالي يمكننا أن نقول: إن علاقة إيران بالغرب أنهم باعتبارهم شيعة فهم حلفاء للغرب ضد أهل السُّنة، وأما باعتبارهم فرسًا فهم منافسون لهم.
ولكن سوف يُستشكل على هذا الطرح باستشكالين:
الأول: أن أمريكا هي من صنعت ثورة الخميني.
الثاني: مناصرة إيران للقضية الفلسطينية.
أما الأول: فخلاصته: أن أمريكا كانت تريد معاقبة الشاه محمد رضا بهلوي؛ رغم أنها كانت تعده أحد أبرز حلفائها في المنطقة، وكانت بلاده من أوائل البلاد الإسلامية اعترافًا بإسرائيل؛ حيث اعترفت بها إيران سنة 1950م؛ إلا أنه أراد التقارب مع العرب بسفينة بترول أرسلها لمصر في حرب العاشر من رمضان، فبيَّتت أمريكا النية لعقابه؛ إلا أن العامل الأكبر هو فشله في إدارة البلاد، ووجود ثورة شعبية حقيقية يقودها تيار اشتراكي موالٍ لروسيا، وتيار الشيعة الأصوليين الذي كان الخميني قد أصبح أكبر رموزه في ذلك الوقت؛ بالإضافة إلى تيار شيعي منفتح على الليبرالية، وتيار ليبرالي قح، والتيارين الأخيرين لم يكن لهما رصيد شعبي؛ فلم يكن أمام أمريكا خيار إلا دعم الخوميني قبل أن تقع السلطة في يد الاشتراكيين الموالين لروسيا .
لقد كان خيارًا مؤقتًا ثم تحوَّل إلى خيار طويل المدى؛ ذلك أن أمريكا وجدت أن إزاحة رجال الدِّين الشيعة من الحكم في ظل قوة سيطرة المؤسسات الدينية الشيعية على العامة أمر صعب جدًّا؛ كما أنهم وجدوا أن الشيعة يعادون السُّنة باعتبارين: ديني نابع من كونهم شيعة، وقومي نابع من كونهم متعصبين للفرس، وبالتالي فهم نسخة أخرى من إسرائيل الذي يكرهون مَن حولهم مِن البلاد الإسلامية باعتبارين -أيضًا-: ديني، قومي .
