شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

علاقة إيران بالغرب.. التشيع يدفعها للتحالف معه ضد أهل السنة، والفارسية تدفعها لمنافسته، وأما دعمهم المحدود للقضية الفلسطينية فورقة تفاوضية!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وإنما قلنا: إنه خيار طويل المدى، وليس خيارًا إستراتيجيًا بالنسبة لأمريكا؛ لأن أمريكا تدرك الطموحات الفارسية التي عندهم، ولكنها تريد أن تؤجل هذا إلى أن يؤتي الحِلْفُ الذي بينهما أُكُلَه في تدمير بلاد السُّنة .

( وسوف نتناول في مقالة أخرى -بإذن الله- تعريفًا موجزًا بتاريخ إيران منذ قيام الدولة الصفوية إلى قيام الثورة الخمينية ).

وأما الأمر الثاني : فقد يقال: إن الشعارات التي أطلقها الخميني في بداية الثورة الإيرانية من أنها ثورة إسلامية وليست شيعية، وأنها ستجعل قضية القدس قضيتها؛ فأمر من السهل إدراك أنه كان نوعًا من المتاجرة بالشعارات ريثما تستقر له الأوضاع .

ولكن يبقى أن إيران -فيما بعد- قدَّمت بالفعل دعمًا لجماعات المقاومة في فلسطين، وهذا أمر تشهد به الفصائل التي تقوم بالجهاد ضد العدو الصهيوني؛ حماس، وغيرها .

صحيح أنهم صرَّحوا أيضًا أن إيران كانت تطلب أمام هذا الدعم ثناءً، بل من الواضح جدًّا أن الثناء أضعاف أضعاف الدعم، ولكن في النهاية هناك دعم .

إذًا إذا كانت إيران وأمريكا يتحالفان علنًا في أفغانستان والعراق؛ فبماذا نفسِّر أنها تختلف أحيانًا؟

وإذا كان تفسير حلفهما أنه موجَّه ضد أهل السُّنة؛ فكيف نفسر الدعم الإيراني لجماعات المقاومة في فلسطين؟

أحد التصورات أن يُقال: هم حلفاء، وكل الباقي "تمثيلية".

وهذا تحليل ليس مستبعدًا ابتداءً، ولكن التحليل لا بد أن ينطلق من الحقائق أولًا، وأن يكون ما تنسبه افتراضًا لأحدٍ متماشيًا مع ما يُعرف عنه، وأن يكون قادرًا على تفسير الظاهرة من كل جوانبها، وفي النهاية، فتحليل "التمثيلية" يبقى أحد احتمالات حل التناقضات الموجودة على الساحة .

ولكن كيف تكون تمثيلية وقد تكبَّدت إسرائيل خسائر حقيقية من صواريخ حزب الله في 2006؟ والكلام ليس في تأثيرها المباشر بمقدار ما سببه من كسر لهيبة إسرائيل، والمستوطنات التي فَرَّ منها أهلها؟!

لو كانت تمثيلية، وجلسوا اتفقوا مع بعضهم؛ فما الذي يدعوهم أن يتفقوا على شيء مؤلم كهذا؟! وكذلك مقتل سليماني، ومقتل حسن نصر الله .

وأما التواصلات في ضبط ردة الفعل أو تنسيقها؛ فأمر يحدث كثيرًا، وإمكانية الإخراج التمثيلي فيه واردة، لا سيما في حالات الصراع غير المنطقي؛ كما في حالة إيران والغرب، فما زال ما يجمعهم من عداء السُّنة أكثر مما يفرِّقهم من المنافسة .

وإذا كانت مساعدة إيران (المحدودة) للفصائل الفلسطينية ليست تمثيلية، فما تفسيرها؟

بيَّنَّا أن هناك التقاء مصالح بين الغرب وإيران ضد أهل السُّنة، وهذه مصلحة كبرى للصهاينة؛ لأن المشروع الصهيوني غير مكتمل؛ هو لن يكتمل إلا بإسقاط القوى العربية التي تمتلك جيوشًا قوية، وعلى رأسها: مصر، والعراق، وسوريا (وقد تمَّ في العراق وسوريا -يا للأسف-، ونسأل الله أن يحفظ مصر، وسائر بلاد المسلمين) .

إيران بدورها مستمتعة بهذا الحلف، لكنها تعرف أنها في النهاية، لو أنهت مهمتها سيُضحِّي بها الغرب، وبالتالي تريد أثناء التحالف أن تطور قوتها كي تكون لاعبًا مستقلًا، أو -على الأقل- تحمي نفسها؛ فهناك صراع بين رغبة إيران أن يكون لها قوة ونفوذ، وبين معارضة أمريكا لهذه الرغبة .

ولأن أمريكا تستطيع أن تطول إيران عبر الصواريخ العابرة للقارات، وعبر أسطولها، فقد قررت إيران أن يكون لها أذرع بجوار إسرائيل.

وأول ذراع جاء في لبنان، وبدأ تكوينه قبل الثورة الإيرانية من خلال رجل دين إيراني اسمه موسى الصدر، الذي قرَّر أن يعمل شبه دويلة شيعية في جبل عامل بلبنان، وهي منطقة يسكنها عدد كبير من الشيعة، وهم محرومون من التعليم ومن كل شيء؛ فذهب وقادهم بثورة اجتماعية لإصلاح أحوالهم، وأسس "حركة أمل"، وهي حركة ضَمَّت كل الشيعة، حتى غير المتدينين، وغير المعترفين بمرجعية إيران .

بعد قليل، انتقوا منهم المتدينين المؤمنين بمرجعية إيران وأسسوا حزب الله .

وبعد مؤتمر مدريد للسلام، وكل الدول العربية قالوا: إنهم يريدون السلام؛ فوجدتها إيران فرصة سانحة جدًّا أن تمد يد العون؛ بغض النظر كم هو مقداره، ولكن أن يكون معها ورقة، وورقة خطيرة جدًّا؛ هذا في داخل الصراع الصهيوني مع العرب داخل فلسطين نفسها، وفي ذات الوقت تلمع نفسها أمام الشعوب السنية مما يسهل عملية التشييع التي تقوم بها إيران في كل العالم الإسلامي تقريبًا .

وبالتالي: تم دعم القضية الفلسطينية -التي تتعرض لمد وجزر-، ومؤخرًا تم تداول مكالمة صوتية لموسى أبو مرزوق، أحد قيادات حماس فيها: أن إيران لم تقدم دعمًا منذ 2009.

وفي ظني: أن صمود حزب الله في 2006 أمام إسرائيل؛ بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن، وكذلك أذرعهم في العراق؛ أغراهم أن يكتفوا بالأذرع الشيعية، وأن يقصِروا الدعم المقدَّم للفصائل السنية على الضجيج الإعلامي فقط .

ولعل من المفيد أيضًا أن نناقش السؤال المطروح دائمًا: هل يقوم حزب الله بحراسة البوابة الشمالية لإسرائيل؟ وهل ترحب إسرائيل بوجوده؟

والإجابة: أن هذا الكلام صحيح باعتبار، ويحتاج إلى توضيح باعتبار آخر .

فالجنوب اللبناني قبل سيطرة حزب الله عليه كان منطلقًا لمقاومين فلسطينيين ولبنانيين، وغيرهم، ينطلقون منه في عملياتهم ضد إسرائيل، وعندما سيطر عليه حزب الله منع كل هؤلاء منعًا تامًا.

وبالتالي، فإسرائيل لو كانت مخيَّرة بين حزب الله وبين أي فصيل مقاوم آخر، ستختار حزب الله؛ لأن الفصيل المقاوم الآخر، بالذات لو كان فلسطينيًّا؛ مشكلته مع إسرائيل قائمة دائمًا، بينما حزب الله لا ينازع إسرائيل إلا إذا كان هناك خلاف إيراني أمريكي، وبمجرد حل الخلاف تهدأ الأمور .

ومع هذا، فلما وجدت إسرائيل فرصة سانحة للتجسس عليه وقتل قياداته، بل وقتل أمينه العام، وبالتالي "قصقصة ريشه"، ومحاولة دفعه لما وراء نهر الليطاني؛ فها هي تفعل .

نسأل الله أن يحفظ فلسطين، ولبنان، وأن يحفظ بلادنا، وسائر بلاد المسلمين .

الصفحة السابقة