شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مكارم الأخلاق (3) الغَيْرَة على الحريم (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وفي رواية: ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني) ، وقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .

- الغيرة على الحريم خلق كريم، يتصف به الكرام، وهو شعور غريزي يجعله الله في نفوس الصالحين، وبه لا يحبون أن ينظر الرجال إلى حريمهم أو يخالطونهن: "خطب علي بن أبي طالب في الناس يومًا -وقد بلغه إكثار النساء من الخروج إلى الأسواق- فقال: "ألا تستحيون؟ ألا تغارون؟ يترك أحدكم امرأته بين الرجال تنظر إليهم، وينظرون اليها". وفي رواية: "إنه لا خير فيمن لا يغار" (المسند) . قال النحاس رحمه الله: "الغيرة هي أن يحمي الرجل زوجته وغيرها من قرابته، ويمنع أن يدخل عليهن، أو يراهن غير محرم" (نقلًا عن عودة الحجاب) .

- حاجتنا إلى شيوع خلق الغيرة على الحريم في هذا الزمان الذي ضعفت أو ماتت فيه الغيرة في قلوب كثير من الرجال: (صور من ذلك: الرضا بخروج النساء متبرجات متعطرات إلى الشوارع والطرقات - الرضا بدخول العمال والصناع والأقارب على النساء في غياب المحارم - الرضا بسفر النساء في الرحلات والاقامة بدون محرم - الرضا بمشاهدة المسلسلات والأفلام الهادمة لكل فضيلة - الرضا بالاختلاط في الزيارات والحفلات والنوادي - الرضا برقص النساء أمام الرجال في الأفراح - الرضا بتعري النساء على شواطئ البحور - الرضا بالمهاتفات التليفونية بين النساء وغير المحارم -...) .

فضل الغيرة على الحريم:

- الغيرة على الحريم من صفات المسلمين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ ‌اللهَ ‌يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللهُ ) (متفق عليه) .

- الغيرة على الحريم دليل على علو الايمان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتَعْجَبُونَ مِنْ ‌غَيْرَةِ ‌سَعْدٍ، فَوَاللهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .

- الدفاع عن الحريم والعرض جهاد يبذل من أجله الدم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ ‌دُونَ ‌أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) (رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني) .

- بل الغيرة على الحريم شعور غريزي عند أكثر الحيوان: عن عمرو بن ميمون الأودي قال: "رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة قد زنت، فرجموها، فرجمتها معهم" (رواه البخاري) .

- الذي لا يغار على حريمه ديوث في الدنيا، متوعد بالعقاب في الآخرة: قال العلماء: "الديوث الذي لا غيرة له على أهل بيته" (النهاية في غريب الحديث نقلًا عن عودة الحجاب) . وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌ثَلَاثَةٌ ‌لَا ‌يَدْخُلُونَ ‌الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ بوَالِدَيْهِ، ‌وَالدَّيُّوثُ، وَرَجِلَةُ النِّسَاءِ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .

نماذج من غيرة الصالحين:

- غيرة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌رَأَيْتُنِي ‌دَخَلْتُ ‌الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ، امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشَفَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا بِلَالٌ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لِعُمَرَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ )، فَقَالَ عُمَرُ: بِأُمِّي وَأَبِي يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟! (متفق عليه) .

- غيرة الزبير -رضي الله عنه-: ذكر أبو عمر في التمهيد: "أن عمر -رضي الله عنه- لما خطب عاتكة بنت زيد، شرطت عليه ألا يضربها، ولا يمنعها من الحق، ولا من الصلاة في المسجد النبوي، ثم شرطت ذلك على الزبير، فتحيل عليها أن كمن لها لما خرجت إلى صلاة العشاء، فلما مرت به ضرب على عجيزتها، فلما رجعت قالت: إن لله، فسد الناس، فلم تخرج بعد" (أُسْد الغابة نقلًا عن عودة الحجاب) (1) .

- غيرة رجل صالح -رحمه الله-: قال ابن كثير في حوادث سنة 286هـ: "من عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة، ان امرأة تقدمت إلى قاضي الري، فادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار، فأنكره، فجاءت ببينة تشهد لها به. فقال القاضي: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم انها الزوجة أم لا؟ فلما صمموا على ذلك قال الزوج: لا تفعلوا، هي صادقة فيما تدعيه؛ فأقر بما ادعت ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها. فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه، وأنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر: هو في حلٍّ من صداقي عليه في الدنيا والآخرة". وزاد الحافظ السمعاني في الانساب: "فقال القاضي وقد أعجب بغيرتهما: يكتب هذا في مكارم الأخلاق" (انتهى من البداية والنهاية) .

الغيرة صنعت أحداثاً:

الصفحة التالية